تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخطاب القرآني — صفحة 80

مساهمون:

ص٨٠
القاهر في هذا المجال لم تخرج عن تحليل أنماط من النظم جاء فيها أحد طرفي الإسناد معرّفا أو منكّرا ، أو جاءا معا معرّفين ، واتّصال ذلك بالجانب النفسي في ترتيب المعنى ، ممّا هيّأ للبلاغيّين أن يربطوا بين سياقات معيّنة ، وبين مجيء المسند إليه معرّفا أو منكّرا . وكذلك المسند وهي سياقات تتداخل حدودها وتتبادل أماكنها ، وقد تكون المقامات ترجع إلى نيّة المتكلّم ، أو إلى الموقف الاجتماعي الذي يخلق السياق . ومن سياقات التنكير التي يذكرونها : 1 - الدلالة على الفرديّة ، أو النوعيّة . 2 - التعظيم أو التحقير أو التكثير أو التقليل . 3 - قصد التمويه والإخفاء . 4 - عدم الرغبة في الحصر والتخصيص . فمن أمثلة النوع الثاني مثلا ( سياق التعظيم أو التحقير ) وهو سياق يعود إلى المتكلّم في أنّ المنكّر قد بلغ شأنا في الارتفاع أو الانحطاط ، وصل إلى حدّ يوهم أنّه لا يمكن أن يعرّف ، فتقول في جميع ذلك عندي رجل ، أو حضر رجل ومنه قول ابن أبي السمط :
له حاجب في كلّ أمر يشينه * وليس لّه عن طالب العرف حاجب
" فإنّ الفهم والذوق يقضيان كمال ارتفاع شأن حاجب الأوّل ، وكمال انحطاط حاجب الثاني " « 1 » . ويمثّل الخروج على مقتضى الظاهر مبحثا آخر من المباحث التي يتجلّى فيها السياق في الوظيفة التواصليّة للّغة ، وأمثلته تمتدّ في الفروع المختلفة لعلم المعاني كأضرب الخبر وأضرب الإنشاء ، كما في خروج الاستفهام عن معناه الأصلي إلى دلالات متنوّعة تستفاد من السياق ، ويؤدّي المخاطب والمخاطب وطبيعة العلاقة بينهما دورا خاصا في هذا الموضوع ، فيفرّق البلاغيّون مثلا بين صدور الأمر من الكبير إلى الصغير ، وبين صدوره من زميل إلى زميل ، فهو في الحالة الأولى أمر صريح ولكنّه في الحالة الثانية يعدّ التماسا لتماثل المخاطب والمخاطب في المنزلة ، كما يتدخّل مقصود الخطاب وغرضه في تحديد دلالة
هامش
( 1 ) السكّاكي ، مفتاح العلوم ، ص 83 .