تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخطاب القرآني — صفحة 77

مساهمون:

ص٧٧
عليه الصورة في خيال المتلقّي اعتبره السكّاكي منسجما ، وكلّ خطاب جاء على خلاف ذلك اعتبره غير منسجم . وقد تناول البلاغيّون بالدرس والتحليل مجموعة من سياقات الكلام ، ومنها سياق الحذف والذكر ، وقد أوردنا مسألة الحذف والذكر في ميدان النحو ، وأمّا في الدرس البلاغي - وهو لا يبتعد كثيرا - فيمكن إدراك القيمة الحقيقيّة لسياق الذكر والحذف من خلال السياق الأعمّ كسياق الإطناب أو التطويل ، أو الإيجاز ، وقد تناول عبد القاهر الجرجاني هذه السياقات في جانبها التطبيقي دون تعيين محدّد كما فعل البلاغيّون بعده وحاول رصد المجال الذي لاحظ فيه أنماط الحذف ، وربط ذلك بنظريّته في النظم ، ونجد عنده ربط نسق الذكر والحذف بطبيعة المتكلّم في تحليله لقوله تعالى : ( وأسأل القرية ) . ويرى أنّ فهم الحذف فيها يعود إلى غرض المتكلّم ، فلو كان المتكلّم خارج سياق النّص القرآني لاختلف الفهم ، ولكن لأنّها جاءت في معرض الوعظ والتذكير فإنّها تفضي إلى فهم مختلف « 1 » . ويربط عبد القاهر سياقات الحذف ببعض الموضوعات كما في وروده بشكل مألوف عند ذكر الديار ، ويذكر سياقات أخرى يطّرد فيها حذف المبتدأ ، وحذف المفعول ، ويربطها بحاجة المتكلّم وبطبيعة التركيب وصلة اللفظة بغيرها ، وفي هذا قد يساوى الفعل المتعدّي بالفعل اللازم باعتبار السياق الذي يرد فيه . كقولنا يحلّ ويعقد ، ويأمر وينهى ، ويضرّ وينفع « 2 » . وقد يعود اختلاف السياق عنده إلى الدلالة أو إلى طبيعة الصياغة ومقتضياتها ، أو لأنّ الحذف يدلّ عليه الحال ، فالسياق عند عبد القاهر هو نقطة البدء ، وليس الكلمة ، ويعتبر أنّ البحث عن السياق يأتي قبل البحث عن الألفاظ وعلاقاتها « 3 » . وأورد عبد القاهر بعض سياقات الذكر مؤكّدا دور السياق في تركيب الصياغة .
هامش
( 1 ) عبد القاهر الجرجاني ، أسرار البلاغة ، ص 367 . ( 2 ) نفسه ، ص 367 . ( 3 ) عبد القاهر الجرجاني ، دلائل الاعجاز ، 188 .
الخطاب القرآني — صفحة 77 | خلود العموش