تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخطاب القرآني — صفحة 76

مساهمون:

ص٧٦
مفترضا متلقّيين أحدهما من ( أهل المدر ) والآخر من ( أهل الوبر ) ، والآيات هي
" أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ "
« 1 » . في هذا المثال لدينا خطاب قرآني عناصره : الإبل والسماء والأرض والجبال ، وأفعال هي : الخلق ، والرفع والسطح . ولدينا متلقّيان حضريّ وبدويّ أمام هذا الخطاب ؛ فالحضري لا يستطيع خياله أن يجمع صور هذا الخطاب بشكل متّسق ، إذ كيف تجتمع عنده الإبل مع السماء والأرض والجبال ؟ ولذا فإنّه سيحكم على هذا الخطاب بأنّه غير منسجم ، وأنّ نسقه غريب معيب ، وأمّا البدوي فمطعمه وملبسه ومشربه من المواشي وخاصّة الإبل وهي أنفعها لديه ، ثم إذا كان انتفاعهم بما لا يتحصّل إلّا بأن ترعى وتشرب كان جلّ مرمى غرضهم نزول المطر ، وأهمّ مسارح النظر عندهم السماء ، والجبال لهم مأوى ، إنّ البدويّ لا يستغرب هذا العدّ ، ولا هذا الترتيب ؛ لأنّ صورة الإبل والسماء والجبال متقارنة في خياله مجتمعة متعالقة في خزانة صوره ، ولذا فسيحكم على هذا الخطاب بأنّه منسجم . فهذا الجزء من حديث السكّاكي خاضع لاعتبارات اجتماعيّة ، ثقافيّة ، وليس بسبب اعتبارات أملاها الخطاب . إنّ نوع المتلقّي ودوره أساسي في فهم الخطاب وإحداث انسجامه ، ووقوف السكّاكي عند ( الجامع الخيالي ) بهذا الحشد من الأمثلة يشعرنا بأنّه مختلف عن الجامعين الأوّلين ( الوهمي والعقلي ) ، فهذا الجامع أكثر ارتباطا بسياق الثقافة والسياق الاجتماعي . ويشير إلى هذا الجانب الاجتماعي بقوله : ( ولمّا لم تكن الأسباب على وتيرة واحدة فيما بين معشر البشر . . . " « 2 » . ويفهم من كلام السكّاكي أهميّة التجربة الشخصيّة السابقة ، ونمط الحياة التي يمارسها الشخص المواجه للخطاب ، ومن ثمّ فإنّ كلّ خطاب جاء وفق ما هي
هامش
( 1 ) سورة الغاشية ، الآيات ( 17 - 20 ) . ( 2 ) السكّاكي ، المفتاح ، ص 113 .
الخطاب القرآني — صفحة 76 | خلود العموش