تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخطاب القرآني — صفحة 75

مساهمون:

ص٧٥
بحرير التمييز ، وكما أنّ الرمد قذى العين كذا الشبهة قذى البصائر ، فاكحل عين اللّكنة بحيل البلاغة ، وأجل رمض الغفلة ببرود اليقظة " « 1 » . هذا المثال وإن كان ساقه السكّاكي للحديث عن الفصل والوصل فهو في صلب قضيّة السياق والمقام وسياق الثقافة ؛ فالمتكلّم يغترف من وعائه الثقافي ( سياق الثقافة ) وهنا يتبدّى هذا السياق في طبيعة المهنة ، وطبيعة اللّغة الخاصّة التي يستخدمها أرباب المهن والحرف المختلفة ، وكيف يتمّ التفاهم وفق شيفرة خاصّة تترجم عبر السياق الثقافي ، ولو لم نعرف أنّ هذا صيرفي ، وهذا كحّال ، وهذا جوهري ، لما أمكننا أن نضع عبارات كل منهم في موضعها الصحيح من التأويل ، فاللّغة جزء لا يتجزّأ من سياق الثقافة ، والتفاهم والتواصل يحصل عبر ( كودات ) خاصة توفّرها هذه الثقافة إن جاز التعبير . . . واختلاف الحال هذا أدّى إلى اختلاف المقال . ومثال آخر يسوقه السكّاكي يتمحور حول ثلاثة أشخاص ، مهنهم مختلفة ، نظمهم سلك الطريق ، وافتقدوا البدر ، وبينما يتخبّطون في الظلماء ، طلع البدر عليهم فطفق كل منهم يصفه ، وإذا شبّهه شبّهه بأفضل ما في خزانة صوره : - فالسلاحيّ يشبّهه بالترس المذهّب يرفع عند الملك . - والصائغ يشبّهه بالسبيكة من الإبريز تفترّ عن وجهها البوتقة . - والمعلّم يشبّهه برغيف أحمر يصل إليه من بيت ذي مروءة « 2 » . ولا يحتاج المثال إلى تعليق كبير فهو بسابقة شبيه . والسكّاكي في المثالين السابقين يبرهن عن اختلاف الحال في ثبوت الصور في الخيالات ترتّبا ووضوحا ، وذلك لاختلاف الأسباب المؤدّية إلى ثبوتها ، ومنها ارتباط إنتاج الخطاب ونوعية ذلك الإنتاج بالنشاط الذي يمارسه الإنسان في حياته اليومية . وفي مثال ثالث يقوم السكّاكي بتحليل خطاب قرآني ،
هامش
( 1 ) السكّاكي ، ص 111 . ( 2 ) نفسه ، ص 111 .