تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخطاب القرآني — صفحة 60

مساهمون:

ص٦٠
وأمّا الباقلّاني فهو أكثر وضوحا في تحديد أثر السياق المحيط بالنصّ على اختيار ألفاظ ذلك النصّ وأسلوبه ، يقول : " إنّ اختيار اللّفظ ، وإحلاله في الموقع المناسب في السياق هو أساس البلاغة ، والإحسان في البيان ، فإنّ إحدى اللفظتين قد تنفرد في موضع ، وتزلّ عن مكان لا تزلّ عنه اللفظة الأخرى ، بل تتمكن فيه ، وتضرب بحرانها ، وتراها في مظانّها ، وتجدها غير منازعة إلى أوطانها ، وتجد الأخرى لو وضعت موضعها في محل نفار ، ومرمى شراد ، ونابية عن استقرار " « 1 » . فالمقامات تحدّد اختيار الألفاظ ثمّ تترتّب هذه الألفاظ وفق تسلسل سياقيّ لغويّ داخل النص ، وأوضح الباقلّاني مسألة الاتساق الداخلي في النصّ من خلال وصفه لأسلوب القرآن بأنه قائم على الترابط والتناسب سواء فيما بين المحتوى أو تسلسل الألفاظ واطّرادها في قوالب منظومة ، تتّصل مقدماتها مع نتائجها وتتناغم موضوعاتها وتترتّب عناصرها ، وتتّصل بطريقة قائمة على التناسب في نظم الفصل والوصل « 2 » . ومن الجدير بالذكر أنّ علماء الإعجاز غالبا ما يبدءون الحديث عن إعجاز القرآن بالحديث عن بلاغة العرب ، وتمكّنهم من فنّ القول وكأنّه يشار بذلك إلى سياق الثقافة ، فقد كانت معجزة القرآن في جنس ما يمهرون ليكون التحدي أكبر وأظهر . ثم إنّهم يشيرون إلى الوقائع التاريخيّة التي نزل القرآن في سياقها ، وبعد ذلك يبدءون بالحديث عن ألوان الإعجاز البلاغي في القرآن الكريم مركّزين على المخاطب ، وعلى تشكّل الآية في صورة مثلي تؤدّي إلى إبلاغ ( توصيل ) أسرع وأعمق وأكثر تأثيرا . وحين نظر البلاغيّون والنّقاد إلى " مراعاة القول لمقتضى الحال " باعتباره شرطا أساسيّا في التعبير ، فإنّهم بنوا هذا التصوّر على فهم اجتماعي لوظيفة الأدب ، يؤول إلى افتراض المتلقّي وحضوره ، وقد عدل به القدماء عن مناسبة القول الشعري للحال التي
هامش
( 1 ) أبو بكر الباقلّاني ، إعجاز القرآن الكريم ، تحقيق أحمد صقر ، ط 3 ، دار المعارف ، مصر ، 1971 ، ص 220 . ( 2 ) نفسه ، ص 220 .