تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخطاب القرآني — صفحة 58

مساهمون:

ص٥٨
وأمّا ( السياق الحالي ) فقد كان له حظّ وافر في دراسات البلاغيّين العرب القدامى ، فقد تنبّهوا إلى أثره في جعل الوحدات الكلاميّة أكثر غنى ، وثراء ووضوحا ، لدى السامع ، ولعلّ الجاحظ أوّل من حاول تصنيف صور الدلالة فجعلها خمسا لا تزيد ولا تنقص ، وهي اللّفظ والإشارة ، والعقد ( الحساب ) والخطّ ، ثمّ الحال التي سمّاها نصبة ، والنصبة هي الحال الدالّة التي تقوم مقام تلك الأصناف ، ولا تقصّر عن تلك الدلالات ، ويقصد الجاحظ بالإشارة عمل اليد والرأس ، والعين ، والحاجب ، والمنكب وغير ذلك ممّا يصحب الكلام من حركات ، ولولا هذه الإشارة في رأيه لما تفهّم النّاس معنى خاص الخاصّ « 1 » . وقد جمع الجاحظ في هذا عددا من القوى الكلاميّة وعدّها دلالات ناطقة ، فهي جزء لا يتجزّأ من الحدث الكلامي ، ودورها معروف في الإبانة عن دلالته وتقويته ، وأما النصبة وهي الحال الناطقة من غير لفظ ، والمشيرة بغير يد ، فالأشياء هنا تقوم مقام الكلمات في الإبانة عن ذواتها ، وهو تعبير دقيق لسياق الحال بكلّ تفاصيله وأثره في تدقيق الوصف للحدث الكلامي ، ولنا أن نتخيّل مثلا مسرحا لمعركة دامية بكلّ تفاصيلها ، إنّ آلاف المجلّدات لا يمكن أن تعدل بضعة مشاهد حيّة لهذا المسرح ، أو مكانا قد أتت عليه الزلازل ، أو حادث تصادم بين عدد كبير من الحافلات . . وغيرها . ويتنبّه الجاحظ إلى الأثر السلبي الذي يتركه انتزاع الكلم من سياقه ، وبخاصّة إذا كان الأمر في النوادر من كلام الأعراب ، " فأي تغيير يجريه الناقل في الإعراب أو في مخارج الألفاظ يفسدها ويبدّد ما كان فيها من المؤانسة والإمتاع " « 2 » . ويقف السكّاكي عند أثر ( المقام ) في صياغة الحدث الكلامي حين يثير موضوع ( الزيادة ) ؛ فالزيادة كما يقول لها مقامات تستمدّ قوامها من مناسباتها ، بحيث تصادف
هامش
( 1 ) الجاحظ : عمرو بن بحر ( ت 255 ه ) ، البيان والتبيين ، ط 1 ، تحقيق عبد السلام هارون ، لجنة التأليف والترجمة والنشر ، القاهرة ، 1950 ، 1 / 16 . ( 2 ) نفسه ، 1 / 267 .
الخطاب القرآني — صفحة 58 | خلود العموش