تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخطاب القرآني — صفحة 57

مساهمون:

ص٥٧
إنّ دراسة ابن سنان هذه تقدّم لنا صورة عن طبيعة العمليّة الإبداعية ، وأنّها ليست عفويّة ، بل إنّها اختيار منظّم يرتبط بالسّياق اللغوي الداخلي للنصّ ، ويتدرّج معه حتّى ينتظم ضمن سياق عام أو مقام ، كما أنّ الأسلوب عند ابن سنان يرتبط بهذا السياق ، فالسياق هو الذي يحدّد الأسلوب ، ويستحسن هذا الأسلوب بقدر ما يتّفق مع السياق " فإنّ لكلّ مقام مقالا ، ولكلّ غرض فنا ، وأسلوبا " « 1 » ، كما يقول ابن سنان . وعناصر السّياق التي يتعرّض لها البلاغيّون والنقّاد هي الغرض أو الهدف ، وطبيعة الموضوع ، والمخاطب ؛ فطبيعة الرسالة اللغويّة تتغيّر بتغيّر هذه العناصر ، بما فيها الرسالة الإبداعيّة . ويعبّر ابن قتيبة عن هذا بقوله : " فالخطيب من العرب إذا ارتجل كلاما في نكاح ، أو حمالة ، أو تخصيص ، أو صلح ، أو ما أشبه ذلك لم يأت به من واد واحد ، بل يفتنّ فيختصر تارة إرادة التخفيف ، ويطيل تارة إرادة الإفهام ، ويكرّر تارة إرادة التوكيد ، ويخفي بعض معانيه حتى يغمض على أكثر السامعين ، ويكشف بعضها حتى يفهمه بعض الأعجمين ، ويشير إلى الشيء ويكنّى عنه ، وتكون عنايته بالكلام على حسب الحال وكثرة الحشد وجلالة المقام " « 2 » . وممّا لفتني حقا أنّه أتبع هذه العبارة الجامعة قولة تضيء بعض ما نحن بصدده من تحليل سورة البقرة ، وهي أنّ " من فهم مذاهب العرب في ذلك ، وكثر نظره في افتنانها في الأساليب ، عرف فضل القرآن " « 3 » . أي أنّ اتّساق الكلام مع غرضه ، ومع حال المتكلّم وحال السامع وعنايته بالأسلوب من أجل إيصال الرسالة اللّغويّة قول ينطبق على كلّ رسالة لغويّة ، ومن هذا الوجه يعرف فضل ( القرآن الكريم ) باعتباره يمثّل الذروة في الاتّساق والإبلاغ والبيان ، والمخاطب هو محور عملية الإبلاغ في هذه الرسالة الإلهيّة ولذلك فقد توافر لهذا النّص القرآني كل عناصر الاتساق التي تؤدّي إلى تمام الإبلاغ .
هامش
( 1 ) ابن سنان الخفاجي ، سر الفصاحة ط 1 ، مطبعة صبيح / القاهرة / 1953 ، ص 156 . ( 2 ) ابن قتيبة ، تأويل مشكل القرآن ، تحقيق أحمد صقر ، ط 1 ، دار إحياء الكتب العربية ، القاهرة ، 1954 ، ص 13 . ( 3 ) نفسه .