وهذا نصّ يؤكد إدراك هذا البلاغي لمفهوم الامتداد الخطّي لسلسلة الكلام وأهميّة التوافق الذي يجب أن يتوافر بين عناصره ، ومن ثمّ التوافق مع السياق المحيط به والذي أسماه ( الموضع ) أو ( الغرض ) ؛ فتشكيلة الكلام تتّفق مع الحدث الذي أنتج هذا الكلام . كما أنكر ابن الأثير ما كان ذهب إليه الجمهور من أهل النظر البلاغي من أنّ البيت الشعري يجب أن يكون مستقلا عن غيره من الأبيات ، وأنكر عدم جواز ما يعرف بالتضمين في البيت الشعري . ورأى أنّ علاقة البيت بالبيت كعلاقة الفقرة بالفقرة ، ويشبّه القصيدة بأنّها كالسبيكة الواحدة « 1 » . إنّ هذه الوحدة العضويّة تعين القارئ على التفاعل مع النصّ ، وهذا التفاعل يعينه على الوقوف على مزايا النصّ ، وتنظيمه الداخلي .
ويمكن تدقيق الرؤية العربيّة القديمة لمفهوم العلاقات السياقيّة بنقلها من مستوى اللّغة إلى مستوى الأداء الفنيّ من خلال دراسة ابن سنان الخفاجي للحروف والأصوات ، وربطها بالنواحي الدلاليّة والبلاغيّة ، حيث يذكر في مقدّمة كتابه ( سرّ الفصاحة ) نبذا من أحكام الأصوات وحقيقتها ، وتقطيع هذه الأصوات بحيث تصير حروفا متميّزة ، وأحوال مخارجها وكيفيّة تحوّلها إلى كلام منتظم « 2 » . كما يذكر الخفاجي أنّ كلّ صناعة كمالها بخمسة أشياء . الموضوع وهو الخشب في صناعة النّجارة ، والصانع وهو النّجار ، والصورة وهي التربيع المخصوص ، والآلة مثل المنشار والقدوم وما يجري مجراهما ، والغرض وهو أن يقصد على هذا المثال الجلوس فوق ما يصنعه - إن كان كرسيّا - وإذا كان الأمر على هذا ، ولا يمكن المنازعة فيه ، وكان تأليف الكلام المخصوص صناعة وجب أن نعتبر فيها هذه الأقسام " « 3 » . والموضوع عنده في صناعة الكلام هو الكلام المؤلّف من الأصوات ، والصانع هو الكاتب الذي ينظم الكلام ، وأمّا الصورة فهي كالفصل للكاتب والبيت للشاعر ، وأمّا الآلة فهي طبع الناظم والعلوم التي اكتسبها ، وأمّا الغرض فبحسب الكلام المؤلّف إن كان مدحا ، وإن كان هجوا .
هامش
( 1 ) ابن الأثير ، المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر ، تحقيق أحمد الحوفي وبدوي طبّانة ، مكتبة نهضة مصر ، القاهرة ، ج 1 / ص 211 .
( 2 ) ابن سنان الخفاجي ، سر الفصاحة ط 1 ، مطبعة صبيح / القاهرة / 1953 ، ص ( 4 - 5 ) .
( 3 ) نفسه ، ص : 102 .