تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخطاب القرآني — صفحة 54

مساهمون:

ص٥٤

2 - نظرية العلاقة بين النصّ والسياق في ميدان النقد والبلاغة :

لاحظ البلاغيّون منذ القديم ظاهرة السياق من خلال مقولتهم الدقيقة " لكلّ مقام مقال " ، فانطلقوا في مباحثهم من فكرة ربط الصياغة بالسياق ، وأصبح مقياس الكلام في باب الحسن والقبول بحسب مناسبة الكلام لما يليق به ، أي ( مقتضى الحال ) . " فإن كان مقتضى الحال إطلاق الحكم فحسن الكلام تجريده من مؤكّدات الحكم ، وإن كان مقتضى الحال بخلاف ذلك فحسن الحكم تحلّيه بشيء من ذلك بحسب المقتضى ضعفا وقوّة ، وإن كان مقتضى الحال طيّ ذكر المسند إليه فحسن الكلام تركه ، وإن كان المقتضى إثباته على وجه من الوجوه ، فحسن الكلام وروده عاريا عن ذكره ، وإن كان المقتضى إثباته مخصّصا بشيء من التخصيصات فحسن الكلام نظمه على الوجوه المناسبة ، من الاعتبارات المقدّم ذكرها ، وكذا إن كان المقتضى عند انتظام الجملة مع أخرى فصلها أو وصلها ، أو الإيجاز معها أو الإطناب فحسن الكلام تأليفه مطابقا لذلك " « 1 » . إنّ السكّاكي قد جمع في هذه العبارات مقتضيات الأحوال أو السياقات التي ترد فيها أنواع الصياغة بما تحويه من خواص تركيبيّة في الجملة . وقريب من هذا ما قاله القزويني في الإيضاح ؛ " بلاغة الكلام هي مطابقته لمقتضى الحال مع فصاحته ، ومقتضى الحال مختلف ، ومقامات الكلام متفاوتة ، فمقام التنكير مباين لمقام التعريف ، ومقام الإطلاق مباين لمقام التقييد ، ومقام التقديم مباين لمقام التأخير ، ومقام الذكر مباين لمقام الحذف ، ومقام الوصل لمقام الفصل . . . وكذا خطاب الذكيّ مباين لخطاب الغبيّ " « 2 » . ويكشف نصّ القزويني عن علاقة النصّ بسياق الظرف وطبيعة الأحداث المرافقة للحدث الكلامي ، وكذلك علاقة السياق بطرائق الكلام ، وأسلوب الحديث ، كما يكشف عن علاقة المستوى العقلي للمتكلّم بطبيعة الخطاب ، ومستواه العقلي كذلك .
هامش
( 1 ) السكّاكي : مفتاح العلوم ، بيروت ، دار الكتب العلميّة ، د . ت ، ص 73 . ( 2 ) الخطيب القزويني ، الإيضاح في علوم البلاغة ، تحقيق محمد عبد المنعم خفاجي ، ط 5 ، دار الكتاب اللبناني / بيروت / 1980 ، ص 12 .