قصيدة ألّفت ( لا كتابا ) مثلا ، يحتلّ موقع الصدر لأنّه حامل لوظيفة تداوليّة معيّنة هي وظيفة التخصيص . وهكذا « 1 » .
وعلى الرغم من اهتمام النحويّين العرب بالقياس ، إلّا أنّ قسما منهم قد أولى السماع قيمة كبرى . ويستند أبو الفتح ابن جنّي في بعض أحكامه على السماع بدلا من القياس توكيدا للدور الذي يقوم به الشيوع ودوران اللفظ على اللّسان ، وفي أحوال معيّنة نجده يستند في تفسير ( الوجه ) على العودة إلى سياق الحال ففي قول الشاعر :
تقول وصكّت وجهها بيمينها * أبعلي هذا بالرحى المتقاعس ؟ !
فذكر صكّ الوجه ، أعلمنا بأنّها كانت منكرة لا متعجبّة ، أي أنّه لمّا حكى الحال ( وصكّت وجهها ) علم بذلك قوّة إنكارها ، وتعاظم الصورة لها ، هذا مع أنك سامع لحكاية الحال غير مشاهد لها ، وقد قيل : ليس المخبر كالمعاين ) « 2 » .
وفي موضع آخر يذكّرنا أبو الفتح بحرص الأصوليّين على استقصاء وجوه الأحوال التي تصاحب الكلام من رموز وإشارات ، وتعبيرات لعلو الوجه ، ومن سكنات وحركات ، لها أثرها البليغ في فحوى الخطاب يقول : " فالحمّالون ، والحماميّون ، والساسة ( أي الذين يسوسون الدواب ) ، والوقّادون ومن يليهم يستوضحون من مشاهدة الأحوال ما لا يحصّله أبو عمرو من شعر الفرزدق ، إذا أخبر به عنه ، ولم يحضره ينشده " « 3 » .
وعلى حين يظلّ للّسانيّات الاجتماعيّة فضل التصريح الشمولي المجرّد عن هذا المنحى في تحليل الظاهرة اللّسانيّة وتفسيرها ، فإنّ عمل النحاة العرب يمثّل الصدور التلقائي عن هذا المنطلق في الجملة ، وأمثلة النحاة وتطبيقاتهم لهذا البعد متواردة متكاثرة ، وهم متلاقون على جمهرة هذه الأمثلة والتطبيقات ، كأنّ الأصل الذي يصدرون عنه مشترك متّفق ، شأنهم فيه شأنهم في مسائل القياس مثلا " « 4 » .
هامش
( 1 ) د . احمد المتوكّل ، الوظائف التداوليّة في اللّغة العربيّة ، ط 1 ، دار الثقافة للنشر والتوزيع / الدار البيضاء / المغرب / ص 8 .
( 2 ) ابن جنّي ، الخصائص ، 2 / 97 .
( 3 ) نفسه ، 2 / 79 .
( 4 ) نهاد الموسى ، الأعراف ، ص 28 .