وقد تكلّم ابن جنّي في ( الخصائص ) و ( سرّ صناعة الإعراب ) على ظواهر صوتيّة سياقيّة كثيرة جدّا ، وتحدّث عن إطالة الأصوات أو تقصيرها أو حذفها كما في ( الترخيم ) . ولاحظ الدلالة النفسيّة لمدّ الأصوات ، أو اختزالها سواء فيما يتّصل بالمتحدّث أم بالمخاطب ، ولا ننسى بحثه الشهير في الخصائص المعنون ب ( تصاقب الألفاظ لتصاقب المعاني ) ، وهو بحث في اتّصال دلالات الألفاظ بالأصوات المكوّنة لها . ومن الظواهر الصوتيّة الأخرى التي ذكرها اللغويّون القدامى ولها علاقة بالسياق :
التنغيم ، والوقف والابتداء ، والحمل على المجاورة ، والقلب المكاني في الحركات ، والإدغام التامّ والناقص ، وحذف الصوت اللّغوي وربطوا ذلك بالسياق العامّ للكلام والاتّساق الداخلي معا . وقد اهتمّ ( ابن السكّيت ) بالفروق الصوتيّة بين الألفاظ وأثرها في الدلالة ، كما في الفرق بين ترب وترب ، وجرح وجرح ، ودور السّياق في تحديد الضبط الدقيق للكلمة ، وبالتالي تحديد دلالتها ، وقد أصبحت طريقة ابن السكّيت هذه من الطرق المتّبعة في التحقق من البناء الصوتي للألفاظ واهتم اللغويون بضبط الأبنية وحركات الإعراب ؛ لأنّ هذا الضبط هو ما يوقف به على أغراض المتكلّمين . " وللعرب في ذلك ما ليس لغيرهم ، فهم يفرّقون بالحركات وغيرها بين المعاني " « 1 » .
ويراعي اللغويّون العرب الحال التي يدخل عليها المقال كما في جمعهم ( الأمثال ) فقد نقل عن أبي عبيدة معمر بن المثنّى ( 209 ه ) قوله : " يجيء في الأمثال ما لا يجيء في غيرها ، ونقل عن سيبويه " إنّ الأمثال قد تخرج عن القياس فتحكى كما سمعت ) وقال المرزوقي : " من شرط المثل ألّا يغيّر عما يقع في الأصل عليه " ومعنى هذا أنّ العرب غلّبوا الشائع الجاري في الاستعمال على القياس في هذا النوع من الكلام خاصّة لمراعاة الحال الدالّ عليه . وكانوا عند شرح تلك الأمثال يستعيدون الحال التي ضربت عليها « 2 » .
هامش
( 1 ) السيوطي ، الحافظ جلال الدين عبد الرحمن ، المزهر في علوم اللغة وأنواعها . شرحه وضبطه وصححه وعنون موضوعاته وعلّق حواشيه محمد أحمد جاد المولى ومحمد أبو الفضل إبراهيم وعلي محمد البجاوي ، منشورات المكتبة العصرية ، بيروت / 1986 ، 1 / 329 .
( 2 ) إبراهيم خليل / السياق ، ص 67 .