تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخطاب القرآني — صفحة 49

مساهمون:

ص٤٩
وقد لاحظ اللّغويّون العرب أنّ الأحوال الاجتماعيّة والأدوات تؤثّر في أنماط الكلام ، وأنواعه بحيث يكثر تداول ألفاظ معيّنة في مواقف خاصّة ، ويقلّ تداول غيرها . ومن ذلك أنّهم وقفوا على استخدام العرب ألفاظا مخصوصة في مخاطبات الملوك والأمراء ، ولم يخاطبوهم بأسمائهم ، بل دلّوا عليها ، وأشاروا لهم بلفظ الغيبة إجلالا وتعظيما . ووقفوا كذلك على ألفاظ لا يحسن التفوّه بها في المجالس ، ومن هنا كانت بعض الألفاظ الموجودة في المعجم غير جارية في الاستعمال لأنّ العرف اللّغوي والاجتماعي لا يسمح باستعمالها . ونستطيع أن نلمح هذا في نظم المكاتبات والمخاطبات الرسميّة في العهود المختلفة للدولة الإسلاميّة ، من مثل طرق مكاتبة الأدنى للأعلى ، أو مخاطبة الوزير ، أو الأشراف . وقد أودع ( ابن شيت القرشي ) في كتابه ( معالم الكتابة ) أمثلة عديدة على تدخّل العرف الاجتماعي في تحديد الوحدات اللغويّة المستخدمة في المواقف المختلفة . وفي الدرس الصوتي يتنبّه اللّغويّون العرب لأثر السياق في البعد الصوتي للكلام ، وذلك على مستويين : مستوى داخلي ، فالفونيمات حين تلتقي في البنية اللفظيّة تؤثّر في بعضها بعضا ، ويلقي هذا التأثير بثقله على الأصوات اللغويّة فتتباعد وتتقارب . ويذكر ابن فارس في الصاحبي أنّ بعض الحروف تألف الاجتماع في كلمات ، وبعضها يأنف ذلك بحسب المخارج ؛ فالعربيّة تميل إلى تجنّب الألفاظ التي تتألّف من حروف متباعدة المخارج مثل ( هحخع ) « 1 » . ومستوى خارجي : وذلك بأن تكون تشكيلات الأصوات المؤلّفة للألفاظ موافقة للسياق اللّغوي المجاور لها ، وموافقة للمقام الذي تتشكّل فيه ، ومن ذلك حديثهم عن كلمة ( مستشزرات ) في معلّقة امرئ القيس ، ومناسبتها للسياق الذي وردت فيه ، على الرغم من تقارب مخارج حروفها ؛ فالسياق الذي وردت فيه هو وصف غدائر الحصان ( غدائره مستشزرات إلى العلا ) ، وما فيه من إيحاء التطاير والعلوّ والتفاعل مع حركة الفرس والفارس معا .
هامش
( 1 ) الخصائص ، 2 / 79 .