" يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ "
« 1 » . و
" لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا . . . "
« 2 » .
ومع أن التوجيهات التي وردت في هذا الدرس القرآني تعد دستورا دائما غير مقيد بزمن ولا بملابسات معينة ، إلا أنه لا يفوتنا أن نلمح من ورائه أنه جاء تلبية لحالات واقعة كانت النصوص تواجهها في الجماعة المسلمة يومذاك . كان هناك من يضن بالمال فلا يعطيه إلا بالربا ، وكان هناك من يقدم الرديء من ماله ويحتجز الجيد ، وكل هؤلاء إلى جانب المنفقين في سبيل اللّه مخلصين له ، الذين يجودون بخير أموالهم وينفقون سرا وعلانية .
" الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ "
« 3 » . ثم يعرض المقطع التالي الوجه الآخر المقابل للصدقة ، وهو الربا ، عرضه السياق مباشرة بعد عرض الوجه الطيب الذي يشمل الإنفاق لكل الأموال بكل أنواعها ، وفي كل الحالات وفي كل الأوقات "
بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ "
و
" سِرًّا وَعَلانِيَةً "
وفي مثال الحبة التي أنبتت سبع سنابل ،
" فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ
يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ "
. ويأتي هذا التوجيه مقترنا بالتقوى أيضا "
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ "
« 4 » . فالتقوى هي الحارس القابع في أعماق الضمير ، ومن العجب أن يناديهم بصفة الإيمان "
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا "
ثم يشترط ترك الربا بشرط الإيمان "
إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
" وكأنما الربا ينسف هذا الإيمان نسفا ، وحين يذر المسلم الربا ويكتفي بالبيع الحلال فإنما يقدم دليلا جديدا على التقوى المرتبطة
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآية ( 266 ) .
( 2 ) سورة البقرة ، الآية ( 273 ) .
( 3 ) سورة البقرة ، الآية ( 274 ) .
( 4 ) سورة البقرة ، الآية ( 278 ) .