لفئات الناس ثم الحديث المطول عن المنافقين ثمّ الحديث المطول جدّا عن اليهود ثمّ المراوحة في الخطاب بين الجماعة المسلمة واليهود في زمانهم الغابر ، ثمّ في معالجة قضايا آنية كانت مدار جدل في حياة الجماعة المسلمة .
لقد كان النّص يعالج الواقع الحيّ الحاضر من خلال الماضي ثمّ يعود ويرجع بحسب ما يكون مناسبا للواقعة ، وليس أدلّ على مقصد التربية والتوجيه من استحضار قصّة إبراهيم من الآية ( 124 - 141 ) ، ففي القطاعات التي مضت من السورة كان الجدل مع أهل الكتاب دائرا كله حول سيرة بني إسرائيل ومواقفهم من أنبيائهم وشرائعهم ومن مواثيقهم وعهودهم ابتداء من عهد موسى إلى عهد محمد ( صلّى اللّه عليه وسلّم ) أكثره عن اليهود وأقلّه عن النصارى ، مع إشارته إلى المشركين عن السمات التي يلتقون فيها مع أهل الكتاب ، والآن في قصّة إبراهيم يرجع السياق إلى مرحلة تاريخية أسبق من عهد موسى ، وقصّة إبراهيم على النحو الذي تساق به في موضعها هذا تؤدي دورها في ( السياق الداخلي ) كما أشرنا ، كما أنها تؤدّي دورا هامّا فيما شجر بين اليهود والجماعة المسلمة في المدينة من نزاع . لقد عرضت سورة البقرة الحديث عن دعاوى اليهود وموقفهم من قضيّة تحويل القبلة والدعايات المسمومة التي أثاروها في الصف الإسلامي . ويجيء الحديث عن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ، والحديث عن البيت الحرام وبنائه وعمارته وشعائره في جوّه المناسب لتقرير حقيقة دين إبراهيم عليه السلام وهو التوحيد الخالص .
وقد صوّر القرآن مشهد تنفيذ الأمر والاستجابة من إبراهيم وإسماعيل بحيث يبدو وكأن الأعين تراهما اللحظة وتسمعهما .
فقد بدأ التعبير بصيغة الخبر وكأنه حكاية تحكى : " وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل " ، وذلك ليتصل الواقع الغابر بالواقع الماثل والحاضر . ودلالة ( إذ ) الزمانية تؤدي دورها أيّما أداء . وبينما نحن في انتظار بقية الخبر إذا بالسياق يكشف لنا عنهما ، ويرينا إبراهيم وإسماعيل حاضرين واقفين ، نكاد نسمع صوتيهما يبتهلان
" رَبَّنا