وليس غريبا أن يتم ختم هذا الفصل من قصة بني إسرائيل بهاتين الآيتين فهما تكرار للآيتين ( 47 ) و ( 48 ) تماما من سورة البقرة باستثناء التقديم والتأخير بين ( عدل وشفاعة ) وقد مرّ بنا رؤية المفسّرين لسبب هذا التقديم والتأخير « 9 » ، أمّا التكرار فهو يناسب النفس اللجوج كنفوس بني إسرائيل .
ونلاحظ مما سبق أنّ الخطاب اتّسق مع المخاطبين من حيث التناسب التام بين طبائعهم وأخلاقهم ، وبين ألفاظ النص وأساليبه وترتب آياته ، وقد سار الخطاب ضمن تتابع موضوعي غاية في الانسجام .
ومن الملاحظات الجديرة بالانتباه هنا أنّ النص حين تحدّث عن المنافقين وصفهم بقوله
" وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ "
« 1 » . ويشير عدد من المفسرين إلى أنّ شياطينهم هم اليهود وفي سياق الآيات ( 75 - 103 ) التي تجمع بين خطاب الجماعة المسلمة وفضح أساليب اليهود وصف النص اليهود بقوله :
" وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا أَ تُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَ فَلا تَعْقِلُونَ
" « 2 » . وهذا يؤكّد أنّهم الشياطين في الآية الواردة أعلاه ، ويؤكّد أنهم أضافوا إلى خراب الذمّة وكتمان الحق وتحريف الكلم عن مواضعه ، الرياء والنفاق والخداع والمراوغة ، وإذا كان وصف فعلهم مع البقرة بقوله :
" وَما كادُوا يَفْعَلُونَ "
« 3 » . فإنه في هذا المقطع يصفهم بقوله
" ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ "
« 4 » . وإذا كان المنافقون قد
هامش
( 9 ) انظر الفصل الثاني ، المبحث الثاني : مفردة التناص والسياق .
( 1 ) سورة البقرة ، الآية ( 14 ) .
( 2 ) سورة البقرة ، الآية ( 76 ) .
( 3 ) سورة البقرة ، الآية ( 71 ) .
( 4 ) سورة البقرة ، الآية ( 86 ) .