تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخطاب القرآني — صفحة 444

مساهمون:

ص٤٤٤
ولكنّها كانت هناك تذكر - مع غيرها - لتثبيت القلّة المؤمنة في مكّة بعرض تجارب الدعوة وموكب الإيمان الواصل منذ أول الخليفة ، وتوجيه الجماعة المسلمة بما يناسب ظروفها في مكّة ، أمّا هنا فالقصد هو كشف حقيقة نوايا اليهود ووسائلهم وتحذير المسلمين منهم ، وبسبب اختلاف ( الهدف ) بين القرآن المكّي والمدني اختلفت طريقة العرض ، وإن كانت الحقائق التي عرضت هنا وهناك عن انحراف بني إسرائيل واحدة ، فاختلاف الظرف والهدف ( السياق المقامي ) عمل على تغيير لغة العرض وطريقته ( السياق اللغوي ) أو بناء النص ، ويظهر هذا إذا استعرضنا السور المكيّة السابقة لسورة البقرة في ترتيب النزول . وفي مقطع الخطاب المباشر مع بني إسرائيل المعاصرين للنبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم - الذي ينتظم الآيات ( 40 - 48 ) ، نرى أنّ مضمون الوصايا والتوجيهات التي اشتملت عليها الآيات تركّز على الوفاء بالعهد والوعد والتقوى والاستجابة لأمر اللّه ، وكأنها تقف في مقابل الصفات العامّة الثلاث التي استحقّوا بها أن يكونوا من الخاسرين وهي نقض العهد والإفساد وقطع ما أمر اللّه به أن يوصل . فالآية ( 40 )
" اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي "
تذكر صفة الوفاء ، والآية ( 41 )
" آمِنُوا ،
وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا "
تحمل صفة الاستجابة لأمر اللّه والوفاء ،
( وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ )
صفة التقوى ، وفي الآية ( 42 )
" وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ . . "
عدم الإفساد ، والحديث في الآيات ( 43 ) ، ( 44 ) و ( 45 ) ، و ( 46 ) كلّها تحمل معنى الاستجابة لأمر اللّه وعدم الإفساد ، وفي الآية ( 47 ) الوفاء بالعهد ، والآية ( 48 ) الأمر بالتقوى ، وهكذا يبلغ التناسب ذروته في خطاب مركّز على مفاهيم محدّدة ، في مقابل ما هو معروف عنهم في كل زمان ومكان والذي لخصته الآية ( 27 ) في المقطع السابق
" الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ ، وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ . . . "
والملاحظة الأخرى التي يمكن الإشارة إليها هي التكرير سواء كان تكريرا لفظيّا أو معنويّا ، وأمّا التكرار المعنوي فهو واضح في تكرار مفاهيم الأوامر والنواهي في المقطع السابق ، وتمحورها حول فكرة الوفاء بالعهد والتقوى والاستجابة ولكن بأشكال مختلفة . وأمّا التكرير اللفظي فتراه في قوله
" يا بَنِي إِسْرائِيلَ