اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ "
في الآيتين ( 40 ) و ( 47 ) ، وأيضا قوله " فاتقون " في الآية ( 41 ) وقوله ( واتقوا ) في الآية ( 48 ) ، وكذلك ذكر النعمة ( نعمتي وأنعمت ) في الآية ( 40 ) وغرض التكرير واضح ؛ فالآيات تخاطب قوما عرفوا بنقض العهد ، وتزوير الحقائق والإفساد ، فالتكرير يناسب حالهم ، ثمّ إنّ صيغ الخطاب تراوحت بين الأمر والنهي والاستفهام ؛ فاشتملت الآيات على أحد عشر أمرا ، وثلاثة نواه ، وثلاثة استفهامات إنكاريّة ، وعلاقة هذه الصيغ والأساليب بموضوع الآيات يمكن في أن من يقطع ما أمر اللّه به أن يوصل يحتاج إلى أمر ونهي واستفهام ، وناكث العهد يحتاج إلى أمر ونهي واستفهام ، والمفسد يحتاج إلى أمر ونهي واستفهام . إنّ المستعرض لتاريخ بني إسرائيل ليأخذه العجب من فيض الآلاء التي أفاضها اللّه عليهم ، ومن الجحود المنكر المتكرّر الذي قابلوا به هذا الفيض المدرار ، وهنا يذكّرهم اللّه بنعمته التي أنعمها عليهم إجمالا قبل البدء في تفصيلها ، يذكّرهم بها ليدعوهم بعدها إلى الوفاء بعهدهم مع اللّه
" يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ "
« 1 » . وأما العهد المشار إليه هنا فهو العهد الأول
" فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ "
« 2 » . وهذا يعيدنا إلى الهدى وهو الخطّ الرابط في هذه السورة ، وفي قوله
" وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا "
إحالة إلى أولئك الذين
" اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى "
. ونلاحظ أنّ الخطاب ابتدأ بضمير المخاطب المباشر ، وانتهى بصيغة الغيبة
" وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ "
وذلك للتعميم ، فهذا مبدأ كلّي يشمل المخاطبين هنا وفي كل آن ممّن اختاروا سبيل نقض العهد والإفساد .
وإذا نظرنا في لغة هذا المقطع من النص نجد فواصل الآي تحمل معاني متتابعة ، فالآية ( 40 ) تنتهي بقوله :
" وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ "
، وما في تقديم ضمير النصب المنفصل من تركيز على عظم الخالق الذي يتنكّبون هداه ، وتحمل هذه الفاصلة الأمر بالتقوى . وفي الآية
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآية ( 40 ) .
( 2 ) سورة البقرة ، الآية ( 38 ) .