قول ، ويأتي القول استفهاما إنكاريّا يحمل البلبلة والتشكيك
" ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا "
؟
وهو سؤال المحجوب عن نور اللّه وحكمته ، ثم هو سؤال من لا يرجو للّه وقارا ولا يتأدّب الأدب اللائق بالعبد أمام ربّه ، وهنا يجيئهم الجواب في صورة التهديد والتحذير بما وراء المثل من تقدير وتدبير
" يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ "
. وبين جملتين متساويتين في المكوّنات ( يضلّ به كثيرا ) و ( يهدي به كثيرا ) متعاكستين في الاتجاه ( ضلال - - هداية ) ويساعد الطباق هنا في رسم هذا التعاكس ( يضل / يهدي ) تأتي الجملة الفاصلة
" وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ "
فالنفي المقطوع بالاستثناء يحصر الضلالة بصنف واحد من الناس هم الفاسقون وهؤلاء هم اليهود ، ثمّ يفصّل السياق صفة الفاسقين هؤلاء كما فصّل في أول السورة صفة المتقين :
" الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ "
« 1 » . ولقد جاء السياق هنا مجملا فلم يفصّل طبيعة العهد الذي نقض ولا الأمر الذي قطع ، ولا طبيعة الفساد ، وذلك لأنّ المجال مجال تشخيص طبيعة ، وتصوير نماذج لا مجال تسجيل حادثة أو تفصيل واقعة ، إنّ الصورة هنا مطلوبة في عمومها ، والعهد الذي تشير إليه الآية هو عهد الفطرة ، وهو عهد الاستخلاف في الأرض الذي أخذه اللّه على آدم ؛ ولذلك بعد هذه المجموعة من الآيات ستأتي قصة آدم عليه السلام . وجاءت هذه الآية تحمل الأفعال التالية : ينقضون ، ويقطعون ، ويفسدون . وتكاد تكون هذه الأفعال هي الصفات الدامغة التي تصف اليهود قديما وحديثا ، والتعبير عنها بالمضارع يحمل الإيحاء بالديمومة ؛ ديمومة هذا السلوك ، ولذلك جاء التعقيب
" وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ "
. وهذا يعيدنا إلى طبيعة الصفقة الخاسرة
" فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ "
التي جرى ذكرها في الآيات السابقة .
هامش
( 1 ) سورة البقرة الآية ( 27 ) .