تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخطاب القرآني — صفحة 438

مساهمون:

ص٤٣٨
ويجسّم صورة شعورية " « 1 » . ولاحظ هذا التباين البعيد بين طلبهم للنار في المشهد السابق ، ثمّ مشهد الصيّب في هذا المشهد ، إن الصيّب هذا الخير الهاطل الذي يجلب معه الخضرة والغيث والفرح ، ولا يرون فيه إلّا الجانب المخيف فقط : الظلمة والرعد والبرق ، فهم يضعون أصابعهم في آذانهم حذر الموت ، الخوف يعمي أبصارهم ، إنّهم يستثمرون ضوء البرق فيمشون كلّما أضاء ، ولكنّهم لا يربطون حركة البرق كضوء دالّ على الصيب وإنّما كمنفعة قريبة تضيء لهم بعض الطريق خلال تلك الظلمة فهم لا يستوعبون أنّ ضوء البرق عارض سريع الذهاب ، وحين يظلم ترى حركتهم السريعة ( قاموا ) حركة ساذجة وصفقة خاسرة ؛ فالذي يمتلك الهدى يفهم حقيقة الصورة ، ويعرف أين يكمن الضوء الحقيقي ، وأن الاستفادة الحقيقية كانت من الصيّب وليست من البرق
" وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ "
. هنا إذن تشبيهان تمثيليّان يركّزان على مناطق مختلفة من شخصيّة أولئك المنافقين ، الأوّل يرسم اختيارهم للضلال عن إصرار ، والثاني يرسم خوفهم وتيههم واختيارهم للمنفعة القريبة الصغيرة على المنفعة الدائمة ، ثمّ في النهاية ظلام بلا نهاية ، وهذان التشبيهان مركّب استبدالي دلالي يسهم في إحداث الترابط بين مكوّنات النصّ . وبعد استعراض هذه النماذج الثلاثة يرتدّ السياق في السورة نداء للناس كافة ، وأمرا للبشريّة جمعاء أن تختار الصورة الكريمة المستقيمة العاملة المهتدية المفلحة ، صورة المتّقين
" يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ "
. فهو عود على بدء - إن جاز التعبير - بدأت السورة بالمتقين ، وهنا
" لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ "
. هذا نصّ تأتلف أجزاؤه وتتلاءم مع طبيعة الناس الذين تصوّرهم ، وهذا ما نعنيه بالتلاؤم بين النصّ والمخاطبين ، إنّنا أشرنا فيما سبق إلى مناسبة النص بالنظر إلى سياقه التداولي ؛ فالخطاب كما يصوّره ( فان ديك ) يرتبط بشكل نسقي مع الفعل التواصلي ، والمكوّن التداولي هو
هامش
( 1 ) في ظلال القرآن ، 1 / 47 .
الخطاب القرآني — صفحة 438 | خلود العموش