تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخطاب القرآني — صفحة 437

مساهمون:

ص٤٣٧
الاستقبال ، عطلوا الآذان والألسن والعيون التي هيّئت لتلقّي الأصداء والأضواء والانتفاع بالهدى والنور فهم
" صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ "
، ونلاحظ هذا التكرير المعنوي لفكرة انعدام الهدى وانعدام النور :
ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ
-
تَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ
-
لا يُبْصِرُونَ
-
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ
. إنّ هذه الحزم الأربع تطرق على حقيقة واحدة ، هي حقيقة انعدام الهدى فحين تفقد بوصلة الاتّجاه إلى الإيمان فإنّ النتيجة المحتومة
" فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ "
. ونلاحظ كيف أدّت هذه الكلمة البؤرة ( الهدى ) في هذا السياق إلى هذا التداخل العجيب بين حقيقة المشبه والمشبّه به ، فهذا التشبيه التمثيلي يأخذنا في رحلة مع من طلب النار وأوقد ، ثمّ يحطّ بنا عند المنافق الذي يستبدل الضلالة بالهدى ، وجاءت الصورة ترفل بالحركة وتعجّ باللون ( نار ووهج ) ثمّ خفوت وسواد وظلام ، مع التركيز على عنصر الجملة الفعلية ، ( استوقد - أضاءت ، ذهب ، ترك ، يبصرون " . وأمّا النتيجة فجاءت جملتين اسميتين : الأولى
" صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ "
وجاء الحذف فيها ليتركهم في منتهى الانقطاع والتخبّط ، ومهما يكن تقدير الحذف فإنه قد تركهم معلّقين غارقين في تيههم . والثانية :
" فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ "
وجاء فيها الضمير ( هم ) ليردّ الحديث إلى أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى وكان هذا المثل كافيا ليصوّر حقيقة حالهم ، ولكن زيادة في توضيح إصرارهم على اختيار الظلام فقد جاء بالصورة التالية ليصور ما في نفوسهم من حيرة وقلق وخوف
" أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ . . . . "
" إنّه مشهد عجيب ، حافل بالحركة مشوب بالاضطراب ، فيه تيه وضلال وهول ورعب ، وفيه أضواء وأصداء ، إنّ الحركة التي تغمر المشهد كلّه من الصيّب الهاطل إلى الظلمات والرعد والبرق ، إلى الحظوات المروّعة الوجلة التي تقف عندما يخيّم الظلام لترسم عن طريق التأثير الإيحائي مشهد التيه والقلق والأرجحة التي يعيشها المنافقون بين لقائهم للمؤمنين وعودتهم للشياطين ، بين ما يقولونه لحظة ثمّ ينكصون عنه فجأة ، بين ما يطلبون من هدى ونور ، وما يفيئون إليه من ظلام وضلال ؛ فهو مشهد حيّ يرمز لحالة نفسيّة
الخطاب القرآني — صفحة 437 | خلود العموش