تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخطاب القرآني — صفحة 406

مساهمون:

ص٤٠٦
بالدعوة في المدينة ، وكان لهذا الاصطدام أسبابه الكثيرة ، فقد كان لليهود في يثرب مركز ممتاز سبب أنّهم أهل كتاب بين الأميّين من العرب ، وساعد ذلك ما بين الأوس والخزرج من فرقة وخصام ، فلمّا جاء الإسلام سلبهم هذه المزايا ، وأزال الفرقة التي كانوا ينفذون من خلالها للدس والكيد ، وكانوا يتطلّعون أن يكون الرسول الأخير فيهم كما توقّعوا دائما ، فلما وجدوا الرسول يدعوهم إلى كتاب اللّه أخذتهم العزّة بالإثم ، وعدوّا ذلك إهانة لهم ، وشعروا بالخطر من عزلهم عن المجتمع المدني الذي كانوا يزاولون فيه القيادة العقليّة الرابحة والربا المضاعف . لهذا كلّه وقف اليهود من الدعوة الإسلاميّة هذا الموقف الذي تصفه سورة البقرة في تفصيل دقيق . وكانت معجزة القرآن الخالدة أنّ صفتهم التي دمغهم بها هي الصفة الملازمة لهم في كلّ أجيالهم ، مما جعل القرآن يخاطبهم في عهد النّبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - كما لو كانوا هم أنفسهم الذين كانوا على عهد موسى عليه السلام ، وعلى عهود خلفائه من أنبيائه باعتبارهم جبلّة واحدة ، سماتهم واحدة وموقفهم من الحقّ والخلق واحد على مدار الزمان ، ومن ثمّ يكثر الالتفات في السياق من خطاب قوم موسى إلى خطاب اليهود في المدينة ، إلى خطاب أجيال بين هذين الجيلين . وهذه السورة التي تضمّنت هذا الوصف وهذا التحذير ، ذكرت كذلك بناء الجماعة المسلمة وإعدادها لحمل أمانة العقيدة في الأرض بعد نكول بني إسرائيل عن حملها قديما ، ووقوفهم في وجهها هذه الوقفة أخيرا . أمّا داخل النصّ فنجد أن السورة تمضي على محورها بخطيّه الرئيسين إلى نهايتها ، في وحدة ملحوظة تمثّل الشخصية الخاصّة للسورة مع تعدّد الموضوعات التي تتناولها . فبعد استعراض النماذج الثلاثة الأولى : المتّقين ، والكافرين ، والمنافقين ، وبعد الإشارة الضمنية لليهود الشياطين نجد دعوة الناس جميعا إلى عبادة اللّه والإيمان بالكتاب المنزّل على عبده ، وتحدّي المرتابين فيه أن يأتوا بسورة من مثله ، وتهديد الكافرين بالنار وتبشير المؤمنين بالجنّة ، ثم نجد التعجّب من أمر الذي يكفرون باللّه
" كَيْفَ تَكْفُرُونَ