ومن عناصر السياق الخارجي التي تجد صداها داخل النصّ طبيعة الواقعة وطبيعة الجماعة المتحدّث عنها ، وبعضهم مؤمن وبعضهم كافر ، فجاء الخطاب ليوائم في الحديث بين الجماعتين . ومثله أيضا قراءة الكسائي في الآية ( 140 )
" أَمْ تَقُولُونَ
" بالتاء قال النحّاس : " وهي قراءة حسنة ، لأنّ الكلام متسق ، أي أتحاجوننا أم تقولون ، والقراءة بالياء من كلامين وتكون ( أم ) بمعنى ( بل ) وقال الأخفش كما تقول : " إنّها لا بل أم شاء " وكسرت إنّ لأنّ الكلام محكيّ والأسباط من ولد يعقوب بمنزلة القبائل من ولد إسماعيل " « 1 » . فالنّحاس استحسن قراءة الكسائي معلّلا هذا الاستحسان بالاتساق ويقصد به الاتساق الداخلي . وأمّا الأخفش فاستأنس في الحديث عن القراءة الثانية بالسياق الخارجي ( سياق الحال ) وهو أنّ الأسباط من ولد يعقوب بمنزلة القبائل من ولد إسماعيل .
ومن أمثلة قبول القراءة حملا على المعنى وواقع الحال ، ما ورد في إعراب الآية ( 184 ) قال النّحاس : " والقراءة المجمع عليها ( يطيقونه ) وقرأ أبو عمرو والكسائي وحمزة
" وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ "
وهذا اختيار أبي عبيد ، وزعم أنّه اختاره لأنّ معناه لكل يوم إطعام واحد منهم ، فالواحد مترجم عن الجميع ، وليس الجميع بمترجم عن الواحد . وقال أبو جعفر : وهذا مردود من كلام أبي عبيد لأنّ هذا إنّما يعرف بالدلالة ، فقد علم أنّ معنى " وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مساكين " أنّ لكلّ يوم مسكينا ، فالاختيار هذه القراءة ليردّ جمعا على جمع ، واختيار أبي عبيد ان يقرأ ( فدية ) ( طعام مسكين ) قال : لأنّ الطعام هو الفدية ، قال أبو جعفر : لا يجوز أن يكون الطعام نعتا لأنّه جوهر ، ولكنّه يجوز على البدل ، وأبين منه أن يقرأ ( فدية طعام ) بالإضافة لأنّ ( فدية ) مبهمة تقع للطعام وغيره فصار مثل قولك : هذا ثوب خز « 2 » . إنّ الاختيارات تفسّر حسب ظهورها في واقع الحال ، وترجّح بحسب هذا الظهور أيضا .
هامش
( 1 ) النحاس ، إعراب القرآن ، 1 / 286 .
( 2 ) نفسه ، 1 / 269 .