تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخطاب القرآني — صفحة 381

مساهمون:

ص٣٨١
لا تقع بعد النفي ولو قال قائل : ألم تأخذ دينارا فقلت : نعم ، لكان المعنى : لا لم آخذ . لأنّك حققت النفي وما بعده . وإذا قلت : ( بلى ) صار المعنى : قد أخذت . وهذا ما قاله النحاس في إعراب الآية ( 81 )
" بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ "
. وذلك جوابا على قولهم في الآية السابقة لها ( 89 )
" وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً ، قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ ، أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ "
فموقف الخطاب وجزمهم بالنفي وهو نفي مسّ النار لهم استدعى هذا الجواب ( بلى ) وليس ( نعم ) مثلا . وهو أيضا ما نبّه إليه مكيّ بن أبي طالب في ( مشكل إعراب القرآن ) قال : " بلى بمنزلة ( نعم ) إلّا أنّ ( بلى ) لا تكون إلّا جوابا لإيجاب تقدّم " « 1 » . ويتمثّل المعرب ملابسات الخطاب ليصل إلى توجيه أمثل للنصّ ، ويستعين بما روي من آثار حول الواقعة التاريخية ( سياق الحال ) ليلج بها ثنايا النص ، ومن ذلك ما دار من خلاف حول إعراب الآية ( 124 ) من سورة البقرة .
" قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ "
قال الفراء : " لأنّ ما نالك فقد نلته كما تقول : نلت خيرا ونالني خير " « 2 » . وقال محمّد بن يزيد : " المعنى يوجب نصب الظالمين ، قال اللّه عزّ وجل لإبراهيم :
" إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً "
فعهد إليه بهذا ، فسأل إبراهيم فقال : ومن ذريّتي ؟ فقال عزّ وجل : " لا ينال عهدي الظالمين " لا أجعل إماما ظالما . وروي عن ابن عبّاس أنّه قال : سأل إبراهيم أن يجعل من ذريّته إماما فعلم اللّه عز وجل أنّ في ذريّته من يعصي فقال :
( لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ )
« 3 » . إنّ موقف الخطاب وطرفيه وهما المخاطب ( اللّه عزّ وجل ) والمخاطب ( إبراهيم عليه السلام ) وطبيعة الحادثة ، أوجدت هذا الأثر الخطي أو الرمز في النص من حيث إنّ الفاعل ( عهدي ) هو ممّا اعتيد أن يقع عليه الفعل ، فلمّا كان هو الفاعل و ( الظالمين ) هو المفعول أوجب التساؤل عند المتعاملين مع النص ، وسياق الحال يوضحه وهو أنّ العهد هو الإمامة ، والإمامة لا ينالها الظالمون .
هامش
( 1 ) النحاس إعراب القرآن 12 / 241 . ( 2 ) نفسه ، 1 / 258 . ( 3 ) نفسه 1 / 259 .
الخطاب القرآني — صفحة 381 | خلود العموش