تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخطاب القرآني — صفحة 382

مساهمون:

ص٣٨٢
ويعدّ اتّساق الخطاب وتلاؤم أجزائه وتآلف عناصره من الأمور التي يعتمد عليها المعرب في قبول القراءة أو اعتبارها شاذّة ، وهذا الاتّساق يشمل الوجهين الداخلي والخارجي ( اتّساق النصّ مع سياق الحال ) . ففي الآية ( 126 )
" وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ . . . . "
في قراءة الحارث بن أبي ربيعة قال : " ومن كفر فأمتّعه قليلا ثم اضطرّه " قال أبو جعفر : وهذا على السؤال والطلب ، والأصل أضطره ثمّ أدغم ففتح لالتقاء الساكنين لخفّة الفتحة ويجوز الكسر قال أبو جعفر : " وهذه القراءة شاذّة ونسق الكلام والتفسير جميعا يدلّان على غيرها أمّا نسق الكلام فإنّ اللّه عزّ وجل خبّر عن إبراهيم - صلّى اللّه عليه وسلّم - أنّه قال : " ربّ اجعل هذا بلدا آمنا " ثم جاء بقوله ولم يفصل بينه يقال ، ثم قال : فكان هذا جوابا من اللّه عزّ وجل ولم يقل بعد ( قال : إبراهيم ) . وأمّا التفسير فقد صحّ عن ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد ومحمّد بن كعب ، وهذا لفظ ابن عبّاس : دعا إبراهيم - صلّى اللّه عليه وسلّم - لمن آمن دون الناس خاصّة فأعلم اللّه عزّ وجل أنّه يرقّ من كفر كما يرقّ من آمن ، وأنّه يمتّعه قليلا ثم يضطرّه إلى عذاب النار ، قال أبو جعفر : وقال اللّه عز وجل :
" كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ "
. وقال : " وأمم سنمتّعهم " . وقال أبو إسحاق : إنّما علم إبراهيم - صلّى اللّه عليه وسلم - أنّ في ذريّته كفّارا فخصّ المؤمنين لأنّ اللّه جل وعز قال له :
" لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ "
« 1 » . إنّ المعرب يدرك أنّ النص ( متّزن ) وهذا المصطلح أستعيره من علم الكيمياء ، والاتّزان عندهم هو تآلف العناصر المكوّنة للمركّب بنسب متفاوتة ، بحسب ما يحتاج هذا المركب ليحصل على خصائصه ، وكذا فالنصّ اللّغوي يتّزن إذا تآلف سياقاه الداخلي والخارجي ، وتآلفت عناصره وهي في مثالنا عنصر الموضوع داخل النصّ ، وترتّب نسق الكلام من حيث الضمائر ( ضمائر المتكلم ، والغائب والمخاطب ) وهي التي تعكس موقف الخطاب بين إبراهيم وربّه سبحانه حول ذلك الموضوع .
هامش
( 1 ) النحاس ، إعراب القرآن ، 1 / 261 .