عن هذا في تآلف السياق بين موضع العطف وما يسبقه ، وهنا يعتمد على عنصر ( الموضوع ) في تآلف هذا السياق وعبّر عنه بقوله : " إنّ المذكورين من تتمّة الكلام الأول " .
ومن أمثلته كذلك قوله تعالى :
" قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ "
في الآية ( 38 ) . قيل في " خوف " والرفع والتنوين هنا أوجه من البناء على الفتح لوجهين : أحدهما انه عطف عليه ما لا يجوز فيه إلّا الرفع وهو قوله " ولا هم " لأنّه معرفة ، و ( لا ) لا تعمل في المعارف ، فالأولى أنّه يجعل المعطوف عليه كذلك ليتشاكل الجملتان ، كما قالوا في الفعل المشغول بضمير الفاعل ، نحو قام زيد وعمرا كلّمته فإنّ النصب في ( عمرو ) أولى ليكون منصوبا بفعل ، كما أنّ المعطوف عليه عمل فيه الفعل . والوجه الثاني من جهة المعنى ؛ وذلك بأنّ البناء يدلّ على نفي الخوف عنهم بالكليّة ، وليس المراد ذلك بل المراد نفيه عنهم في الآخرة ، فإن قيل : لم لا يكون وجه الرفع أنّ هذا الكلام مذكور في جزاء من اتّبع الهدى ، ولا يليق أن ينفي عنهم الخوف اليسير ، ويتوهّم ثبوت الخوف الكثير . قيل : الرفع يجوز أن يضمر معه نفي الكثير ، تقديره :
ولا خوف كثير عليهم ، فيتوهّم ثبوت القليل ، وهو عكس ما قدّر في السؤال ، فبان أنّ الوجه في الرفع ما ذكرنا " « 1 » . إنّ في النصّ السابق إشارة إلى التشاكل الذي سبق أنّ تحدثنا عنه في الفصل الأوّل وهو تشاكل تركيبي ، كما أنّ فيه إشارة إلى دور المعنى في إعراب النصّ وفيه مراعاة لهدف النصّ ( نفي الخوف عنهم ) كما أنّ فيه استحضارا لدور المخاطب " ويتوهّم ثبوت الخوف " إنّ هذا النصّ يعكس الموقف الخطابي كاملا : المخاطب والمخاطب والموضوع ، وانظر إلى مصطلحاته : التشاكل ، ما يليق ، وكلّها تصبّ في موضوع العلاقة بين النصّ والسياق .
وقد يلجأ المعرب إلى توضح مجيء العطف بين لفظين يبدو ان مترادفين من مثل العفو والصفح في الآية ( 109 )
" فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا "
فقال الزجّاج : " لأنّ العفو ألّا يكون في القلب من ذنب المذنب أثر ، والصفح أنّ يبقى له أثر ما ، ولكن لا تقع به المؤاخذة " « 2 » .
هامش
( 1 ) العكبري : التبيان في إعراب القرآن ، ص : 55 .
( 2 ) الزجاج ، ص : 93 .