ويلجأ المعربون في تقدير المحذوف إلى السياق القرآني كلّه لإدراكهم أنّ القرآن كلّه كالكلمة الواحدة ، وقد يكون هذا السياق من السورة نفسها في موضع يسبق أو يلي موضع الحذف ، أو في سور أخرى من القرآن الكريم . إنّ العمل التأويلي الذي يقوم به النحوي وهو يقدّر المحذوف ، يشبه إلى حدّ بعيد عمليّة الاستدلال والتأويل التي افترضتها جماعة تحليل الخطاب ، الذين يربطون موضع التحليل بالخطابات السابقة وبالزمان والعلاقات التي تمسّ الخطاب ، والذين يعتمد عملهم في التأويل على ملء الفراغات أو التقطيعات في الخطاب . واعتمد النحاة على هذا كلّه في تحليل الخطاب كما أنّهم جعلوا سنن العرب في الحذف والإضمار أصلا ماثلا في التعامل مع مواضع الحذف في السورة الكريمة . ويوشك ( علم السامع ) أن يكون مسوّغا ثابتا للحذف عندهم كما أنّهم ربطوا بين الحذف كأثر خطيّ في الخطاب وغرض النصّ باعتباره من عناصر السياق .
2 - السياق والعطف
تنبّه معربو القرآن إلى حروف العطف في السورة الكريمة ، ومتى يقصد بها العطف ومتى لا يقصد بها ذلك ، ودور السياق في تحليل هذه المواضع ومن أمثلة ذلك قوله تعالى : " ومن الناس من يقول آمنا باللّه وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين " في الآية الثامنة من سورة البقرة ، ، وقال أبو البقاء العكبري فيها :
" ( وَمِنَ النَّاسِ ) "
الواو دخلت هنا للعطف على قوله
" الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ "
. وذلك أنّ هذه الآيات استوعبت أقسام الناس فالآيات الأول تضمّنت ذكر المخلصين في الإيمان وقوله
( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا )
تضمّن ذكر من أظهر الكفر ، وأبطنه ، وهذه الآية تضمّنت ذكر من أظهر الإيمان وأبطن الكفر ، فمن هنا دخلت ( الواو ) لتبيّن أنّ المذكورين من تتمّة الكلام الأوّل « 1 » . إنّ النحويّ هنا يقرّر أنّ ( الواو ) للعطف ابتداء ، وحيث أنّه يرى العطف فيه علاقة ترتيب أو اشتراك في الحكم فإنّه يبحث
هامش
( 1 ) العكبري : أبو البقاء عبد اللّه بن الحسين العكبري ( ت 616 ه ) ، التبيان في علوم القرآن ، تحقيق علي محمد البجاوي ، ط 2 ، دار الجيل ، بيروت / لبنان ، 1982 ، ص : 24 .