ج - النصّ وسياق الحال :
يلتفت المفسّرون في تحليلهم وشرحهم وتأويلهم للآيات إلى سياق الحال أو المقام أو الواقع . بل يبنون تفسيرهم عليه ، ويأخذ هذا الالتفات أشكالا متعدّدة منها طبيعة العلاقات بين شخوص الواقعة ، وثقافة محيط الخطاب ، وطبيعة الأعراف السائدة ، والاعتبارات والحوادث الموجودة داخل ( المقام ) ولذلك سنجد أنّ ذكر أسباب النزول ، والوقائع الموجودة في المقام حين تنزل الآيات هي من أبرز الملامح التي تدلّ على استحضار المفسّرين لسياق الحال في إضاءة النّصوص ، وقد يكون من المفيد هنا أن نشير إلى جواب ابن كثير في مقدّمة تفسيره عن سؤال القائل : ما أحسن التفسير ؟ فيذهب في جوابه إلى أنّ أصحّ الطريق في ذلك تفسير القرآن بالقرآن ، فإن لم تجده فمن السنّة ، وإن لم نجد رجعنا في ذلك إلى " أقوال الصحابة فإنّهم أدرى بذلك لما شاهدوا من القرائن والأحوال التي اختصّوا بها " « 1 » . ففي هذا الجواب أكثر من إشارة إلى المقام ؛ في إشارته إلى السنّة وهي الوجه العملي للنصّ القرآني - إن جاز التعبير - وهو نصّ حيّ متحرّك قابل للقراءة أيضا ، ثم إشارته إلى أقوال الصحابة واطّلاعهم على دقائق المقام الذي تنزلت فيه الآيات الكريمة ( النصّ ) ، وهو ما أسماه ابن كثير ( القرائن والأحوال ) . وسنعرض لطائفة قليلة من الأمثلة عند المفسّرين لهذه القرائن والأحوال .
ففي تفسير الطبري لقوله تعالى
" وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ "
« 2 » . قال : " وتأويل ذلك أنّ اللّه جلّ ثناؤه لمّا جمع لرسوله محمد أمره في دار هجرته واستقرّ بها قراره ، وأظهر اللّه بها كلمته ، وفشا في دور أهلها الإسلام . . . أظهر أحبار يهودها لرسول اللّه الضغائن وأبدوا له العداوة . . . " « 3 » . وفي تفسيره للآية
" فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ "
هامش
( 1 ) تفسير ابن كثير ، المقدمة ص ( 13 ) .
( 2 ) سورة البقرة ، الآية ( 8 ) .
( 3 ) تفسير الطبري ، 1 / 102 .