أنّ السياق اللّغوي في نصّ البقرة قد أوضح فلا ضرورة لتكرار ذلك في هذا الموضع . فهنا الاختلاف بين هذين النّصين بني على القارئ وهو جزء من المقام ، وعلى السياق اللّغوي .
وقد يكون الأثر الذي يحدثه تغير السياق اختلافا على المستوى الدلالي ، ومن أمثلته قوله ( تقربوها ) في الآية ( 187 ) من سورة البقرة ( ولا تعتدوها ) في الآية ( 229 ) في السورة نفسها ، وذلك لأنّ الأولى جاءت في سياق النهي ، والثانية جاءت في سياق الأمر ، فالأولى تتحدّث عن مباشرة النساء في رمضان وهو نهي ، والثانية تتعلّق ببيان عدد الطلقات بخلاف ما كان عليه العرب من المراجعة بعد الطلاق من غير عدد ، وما كان أمرا أمر بترك المجاوزة وهو الاعتداء " « 1 » .
إن قولة الفيروزآبادي " ليكون لكلّ دعوى ما يلائمها " تلخّص المعادلة التي يتعلّق بها النصّ والسياق ، فكلّ أثر في السياق يحدث تأثيرا مختلفا داخل بنية النصّ .
( ب - 5 ) الاتّساق بين النصّ والمخاطب
ورد معنا آنفا وفي كثير من المواضع استحضار دور المخاطب في صياغة الخطاب ، ونركّز هنا على الأشكال التي أخذها هذا الدور لدى المفسّرين ، ومن ذلك أنّ عمل المفسّر غالبا يبدأ من تحديد المخاطب بالآية أو الآيات ، ثمّ شرح الآيات في ضوء تحديد المخاطب ، ثم شرح التناقض أو الاتّفاق بين النصّ من جهة ، وطبيعة المخاطب من جهة أخرى ، وإذا اختلف في المخاطب بهذه الآيات كان المفسّر يرجح أحد الآراء بالعودة إلى السياق .
ويتصور المفسّر غالبا وجود سائل يسأل دائما عن جزء من النصّ فيأتي الجواب في جزء آخر منه ، وهذا يوحي بأنّ هذا النّص قابل للقراءة في سياقات متجدّدة من جهة ، ومن جهة أخرى فإنّ النصّ يتصور تجاوب المخاطب معه وتترتبّ أجزاء النّص على هذا الأساس ، ومن ذلك عند الرازي في تفسيره للآية
" هُدىً لِلْمُتَّقِينَ "
قال : " حين خصّ المتقيّن
هامش
( 1 ) الفيروزآبادي ، بصائر ذوي التمييز ، 1 / 152 .