تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخطاب القرآني — صفحة 297

مساهمون:

ص٢٩٧
فناسب قوله " لا يؤمنون " . ومن أمثلته كذلك قوله
" وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ "
« 1 » . وفي السورة نفسها
" مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ "
« 2 » . فجعل مكان قوله ( الذي ) ( ما ) وزاد ( من ) . قيل : " لأنّ العلم في الآية الأولى علم بالكمال ، وليس وراءه علم لأنّ معناه بعد الذي جاءك من العلم باللّه وصفاته وبأنّ الهدى هدى اللّه . ولفظ ( الذي ) أليق به من لفظ ( ما ) لأنّه في التعريف أبلغ ، وفي الوصف أقعد ، لأنّ ( الذي ) تعرّفه صلته ، فلا ينكّر قطّ ، ويتقدّمه أسماء الإشارة ، فيكتنف ( الذي ) بيانان : الإشارة والصلة ، ويلزم الألف واللام ويثنّى ويجمع ، وأمّا ( ما ) فليس له شيء من ذلك ، لأنّه يتنكّر مرّة ويتعرّف أخرى ، ولا يقع وصفا لأسماء الإشارة ، ولا يدخله الألف واللام ولا يثنّى ولا يجمع ، وخصّ الثاني ب ( ما ) لأنّ المعنى : من بعد ما جاءك من العلم بأنّ قبلة اللّه هي الكعبة ، وذلك قليل من كثير من العلم ، وزيدت معه ( من ) التي لابتداء الغاية ، لأنّ تقديره : من الوقت الذي جاءك فيه العلم بالقبلة . لأنّ القبلة الأولى نسخت بهذه الآية ، وليس الأوّل موقتا بوقت ، وقال في سورة الرعد
( بَعْدِ ما جاءَكَ )
فعبّر بلفظ ( ما ) ولم يزد ( من ) لأنّ العلم هاهنا هو الحكم العربي أي القرآن ، وكان بعضا من الأول ولم يزد فيه ( من ) لأنّه غير موقت « 3 » . إنّ اختلاف السياق بين الآيتين أدى إلى إحداث تغييرين في هذا النصّ : الأوّل دخول ( الذي ) في مقابل ( ما ) في النصّ ، والثاني دخول ( من ) في النصّ الثاني . فكلاهما تغيير تركيبي في المستوى النحوي ، أمّا السياق فجاء اختلافه من ناحية نوع العلم ؛ فالعلم الأوّل هو العلم الكامل والعلم الثاني نوع من العلم فحسب ، والاختلاف الآخر في السياق يتّصل بالزمن ؛ فالعلم الكامل لا يحدّه زمن ، وأمّا مسألة القبلة فقد اتّصل تحويلها بزمن معيّن ولذلك أضيفت ( من ) .
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآية ( 120 ) . ( 2 ) سورة البقرة ، الآية ( 145 ) . ( 3 ) الفيروزآبادي ، بصائر ذوي التمييز ، 1 / 146 .