تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخطاب القرآني — صفحة 285

مساهمون:

ص٢٨٥
تقريرا لكونه يقينا لا مجال للشكّ فيه « 1 » . وأمّا المجاورة على مستوى الآيات فيعبّر عنها المفسّرون بألفاظ عديدة منها ( التعلّق ) ، ( التناسب في مساق الآيات السابقة واللاحقة ) ، وغيرها . ومن أمثلتها عند الرازي في تفسيره للآية ( 158 )
" إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ ، فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ . . "
قال : ( إنّ تعلّق هذه الآية بما قبلها من وجوه ( أحدها ) أنّ اللّه تعالى يبيّن أنّه إنّما حوّل القبلة إلى الكعبة ليتمّ انعامه على محمد - صلّى اللّه عليه وسلم - ، وأمته ، بإحياء شرائع إبراهيم ودينه على ما قاله " ولأتمّ نعمتي عليكم " وكان السعي بين الصفا والمروة من شعائر إبراهيم على ما ذكر في قصّة بناء الكعبة ، وسعي هاجر بين الجبلين ، فلمّا كان الأمر كذلك ذكر اللّه تعالى هذا الحكم عقيب تلك الآية . وثانيها أنّه تعالى لمّا قال :
" وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ "
إلى قوله :
" وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ "
. قال :
" إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ "
وإنّما جعلهما كذلك لأنّهما من آثار هاجر . . واستدلّوا بذلك على أنّ من صبر على البلوى ، لا بد وأنّ يصل إلى أعظم الدرجات ، وأعلى المقامات . . وهل مثل أفعال الحج من السعي بين الصفا والمروة ، فذكر اللّه تعالى هذا القسم عقيب القسمين الأولين ليكون قد نبّه على جميع اقسام تكاليفه ، وذاكرا لكلّها على سبيل الاستيفاء ، والاستقصاء " « 2 » . والتوجيه الأوّل لهذا التعلّق أو المجاورة تمّ عبر المقام ( الحدث الخارجي ) والثاني يتعلّق جزء منه بالمقام ( آثار هاجر ) والجزء الآخر منه يتعلّق بالمستوى الدلالي فإنّ تجاور هاتين الآيتين أفضى إلى معنى جديد هو ثمرة الصبر على البلوى ، وهذا يعود بنا إلى العلاقات السياقيّة عند ( دوسوسير ) ثمّ عند ( فيرث ) وأثرها على دلالة النصّ . ومن أمثلة هذا النوع من المجاورة ( بين الآيات ) ما ذكره الرازي حول الآية ( 195 )
" وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ، وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ "
. يقول : " اعلم أنّ تعلق هذه الآية من وجهين : ( الأوّل ) انّه تعالى لما أمر بالقتال ، والاشتغال بالقتال لا يتيسّر إلّا بآلات وأدوات يحتاج فيها إلى المال ، وربما كان ذو المال عاجزا عن القتال ، وكان الشجاع القادر على القتال فقيرا عديم المال ، فلهذا أمر اللّه تعالى الأغنياء أن
هامش
( 1 ) تفسير الرازي ، 4 / 157 . ( 2 ) نفسه .