تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخطاب القرآني — صفحة 271

مساهمون:

ص٢٧١
وهناك مثال آخر مختلف نوعا ما عن السابق في كون المفصّل بعيدا عن المجمل ، ذلك أنّ الرازي يتبنّى رأي من ذهب إلى أنّ الآية ( 261 ) تفصيل لما أجمل في الآية ( 245 ) يقول : " في كيفيّة النظم وجوه ( الأول ) أنّه تعالى لمّا أجمل في قوله " من ذا الذي يقرض اللّه قرضا حسنا فيضاعف له أضعافا كثيرة " فصّل بعد ذلك في هذه الآية ( 261 ) تلك الأصناف " « 1 » إنّ ما يلفت الانتباه في هذا التفسير هو أنّ الآية ( 261 ) تفصيل لمجمل ورد في الآية ( 245 ) أي أنّ هذه العلاقة تربط بين آيتين تفصلهما ست عشرة آية وهذه مسألة هامّة جدا يستخلص منها أنّ المفسّرين لم يهتمّوا بالعلاقة الخطيّة بين الآيات فحسب ، بل اهتموا أيضا بالعلاقة العمودية بين بعض الآيات دون ان يعني هذا أنّ العلاقة بينهما قطعتها الآيات التي تملأ الفضاء من ( 245 - 260 ) . غير أنّ العلاقة بين الآيات لا تسلك دائما سبيل المجمل / المفصّل ، بل قد تنقلب الأمور فيتقدّم المفصّل على المجمل لتحقيق غاية معيّنة ، كما في تفسير ابن عاشور للآية ( 17 ) قال :
" مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً "
أعقبت تفاصيل صفاتهم بتصوير مجموعها في صورة واحدة بتشبيه حالهم بهيئة محسوسة ، . . . وإتماما للبيان بجمع المتفرّقات في السمع المطالة في اللّفظ في صورة واحدة ، لأنّ للإجمال بعد التفصيل وقعا من نفوس السامعين " « 2 » . أي أنّ التمثيل إجمال لتفاصيل وردت في الآيات ( 8 ) إلى ( 16 ) . ومن ثمّ فإن العلاقة كما هي متجلّية في الخطاب لا تسلك سبيلا مخالفا من المفصّل إلى المجمل ، فالترتيب الأوّل معياري ، والثاني تداولي ، وهو ما عبّرنا عنه بأنّه يأتي لتحقيق غاية معيّنة ، وعبّر عنه ابن عاشور بقوله : " لأنّ للإجمال بعد التفصيل وقعا في نفوس السامعين " . ومن أنواع العلاقات الداخلية : المناسبة ، والتناسب بين الآي وهي بحث عن علاقة آية بآية أخرى متقدّمة ، وقد بدا لنا من خلال الاستقراء أنّ المفسّر يشرع في البحث عن المناسبة حين تنقطع الصلة بين آية وآية ، أو آيات سابقة ( كما لو كانت الآية الأولى عن القتال والثانية عن إنفاق الأموال ) ويفترضون وجود سائل يسأل ما وجه المناسبة بين هذه
هامش
( 1 ) تفسير الرازي ، 3 / 47 . ( 2 ) التحرير والتنوير ، 1 / 302 .