تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخطاب القرآني — صفحة 273

مساهمون:

ص٢٧٣
تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
" « 1 » . يرجّح أنّها نزلت في اليهود الذين جحدوا نبوّة محمّد وكذّبوا به مع علمهم بأنّه رسول اللّه إلى الناس كافّة ، ويستند في هذا الاختيار على السياق السابق لهذه الآية يقول : " وأمّا علّتنا في اختيار ما اخترنا من التأويل ، فهو أنّ قوله تعال : ى " إنّ الذين كفروا . . لا يؤمنون " جاء عقيب خبر اللّه جلّ ثناؤه عن مؤمني أهل الكتاب ، وعقيب نعتهم وصفتهم وثنائه عليهم بإيمانهم به ، وبكتبه ورسله ، فأولى الأمور بحكمة اللّه أن يتلى ذلك الخبر عن كفّارهم ونعوتهم ، وذمّ أسبابهم وأحوالهم و . . . . لأنّ مؤمنيهم ومشركيهم وإن اختلفت . . فإنّه يجمعهم جميعا أنّهم بنو إسرائيل " « 2 » . ثم يجتهد في إثبات ذلك من خارج النصّ من خلال المقام ، يقول : " وممّا ينبئ عن صحّة ما قلنا اقتصاص اللّه تعالى ذكره نبأهم وتذكيره إيّاهم ما أخذ عليهم من أمر المنافقين ، واعتراضه بين ذلك بما اعترض به من الخبر عن إبليس وآدم في قوله :
" يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ . .
" ( الآية 40 وما بعدها ) ويقول : " فإذا كان الخبر أوّلا عن مؤمني أهل الكتاب وآخرا عن مشركيهم ، فأولى أن يكون وسطا عنهم ، إذ كان الكلام بعضه لبعض تبع ، إلّا أن تأتيهم دلالة واضحة بعدول بعض ذلك عمّا ابتدأ به من معانيه فيكون معروفا حينئذ انصرافه عنه " « 3 » . ومنه توجيه القراءة " وما يخدعون " على القراءة الأخرى " وما يخادعون " ويعزّز ذلك أنّ اللّه قد أخبر عنهم أنّهم " يخادعون اللّه والمؤمنين في أوّل الآية ، فمحال أن ينفي عنهم ما قد أثبت أنّهم قد فعلوه ، لأنّ ذلك تضادّ في المعنى وذلك غير جائز " « 4 » . فالطبري إذن يصرّ على البحث عن أدوات الاتّساق في ثنايا النصّ نفسه ، وهذا هو معنى قولهم في لسانيّات الخطاب أنّ النصّ لا يكون نصّا حتى يكون منسجما متماسكا ، وكذلك معنى قولهم أنّ القارئ هو الذي يكمل انسجام النّص بقراءته ، فالانسجام ليس عنصرا قبليّا وإنّما هو عنصر يتأتّى من خلال القراءة التواصليّة .
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآية ( 6 ) . ( 2 ) تفسير الطبري ، 1 / 97 . ( 3 ) نفسه ، 1 / 98 . ( 4 ) نفسه ، 1 / 107 .