المنافقين بشدّته على أصحاب الصيّب " « 1 » . ويميّز ابن عاشور ما يعرف بالاستئناف الابتدائي خلال حديثه ، وهو الذي يتّخذ فيه الكلام اللاحق وجهة غير وجهة الكلام السابق ، مع كون الثاني رفعا لإبهام أو التباس قد يقع في فهم ذلك السابق . وفي تفسير الزمخشري للآية
" يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً "
قال : " جار مجرى التفسير والبيان للجملتين المصدّرتين بأمّا " .
ومن العلاقات الخطابيّة التي أثارها المفسّرون ، علاقة الإجمال والتفصيل ، وأمثلتها لا تكاد تحصى ومنها عند الرازي مثلا أثناء تفسيره للآية ( 31 ) قال : " اعلم أنّ الملائكة لمّا سألوا عن وجه الحكمة في خلق آدم وذريّته وإسكانه تعالى إيّاهم في الأرض ، وأخبر اللّه تعالى عن وجه الحكمة في ذلك على سبيل الإجمال بقوله تعالى :
" إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ "
أراد تعالى أن يزيدهم بيانا ، وأن يفصّل لهم ذلك الجمل ، فبيّن تعالى لهم من فضل آدم عليه السلام ما لم يكن من ذلك معلوما لهم ، وذلك بأنّه علّم آدم الأسماء كلّها ثم عرضهم عليه ليظهر بذلك كمال فضله ، وقصورهم عنه في العلم ، فيتأكّد ذلك الجواب الإجمالي بهذا الجواب التفصيلي " « 2 » . ومعنى هذا أنّ العلاقة بين الآيات ( 31 ، 33 ، 32 ) والآية ( 30 ) هي علاقة تفصيل بإجمال ، على أنّ علاقة التفصيل بالإجمال لا تخلو من غاية وهي ما أشار إليه الرازي بالتأكيد أي تأكيد التفصيل للإجمال . ومن أمثلته كذلك في تفسير الرازي للآية
" وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ
" قال : " السبب في أنّ اللّه تعالى أجمل ذكر الرسول ثم فصّل ذكر عيسى لأنّ من قبله من الرسل جاءوا بشريعة موسى فكانوا متّبعين له ، وليس كذلك عيسى ، لأنّ شرعه نسخ أكثر شرع موسى عليه السلام " « 3 » .
هامش
( 1 ) الكشاف ، 1 / 86 .
( 2 ) نفسه ، 1 / 175 .
( 3 ) نفسه ، 3 / 176 .