تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخطاب القرآني — صفحة 265

مساهمون:

ص٢٦٥
وفق السبب الأول يتحكّم في ترتيب عناصرهما مبدآن : عقلي ومنطقيّ لكنّهما من حيث العمق مبدأ واحد : منطقيّ باعتبار أنّ الأول يهدف إلى الإقناع ؛ فسلك سبيل الاستدلال ، والثاني راعى علاقة المؤثّر والأثر . والسبب الثاني الذي جعل الخطاب يترتّب على هذا النحو ، هو ما سمّاه الرازي علاقة الفرع بالأصل التي يستفاد منها أنّ الإنسان أصل لوجود السماء والأرض ؛ إذ لا معنى في هذه الحالة لوجود الفرع بدون وجود الأصل ، فوجود الأصل وهو الإنسان على كيفيّة مخصوصة هي الحياة والقدرة والشهوة والعقل ، والتي بدونها يصبح وجود النعم عبثا فهو انتفاع مشروط ، فالسبب الثاني يحكمه مبدأ منطقي تتحكّم فيه علاقة شرطيّة ، والسبب الثالث يعدّ تبيينا للسبب الثاني ، ومعه إضافة هي كون الإنسان الدليل الأسمى على قدرة الخالق . وبذا يكون الرازي قد ركّز على العلاقة المنطقيّة وهو أمر مبرّر إذا علمنا أنّ مقصد المتكلّم هو الإقناع فلا جرم أن جاءت الآيات استدلالية على هذا المقصد ، ومن ناحية أخرى يمكن أن نقول إنّ هذه الأسباب تحكمها علاقة تداوليّة إذا قرئت قراءة أخرى ، فالاهتمام بترتيب العناصر حسب المعرفة بها مسألة تداوليّة ، وكذلك حسب القرب أو البعد مسألة تداوليّة ، وحسب الأثر والمؤثر أمر تداولي وهو مرتبط بمعرفة الإنسان بالعالم الخارجي . وفي مثال آخر يتساءل الرازي عن سبب تقديم قبول الشفاعة على أخذ الفدية في الآية ( 121 ) ، في الوقت الذي قدّم قبول الفدية على ذكر الشفاعة في سورة أخرى يقول في الجواب : " لأنّ من كان ميله إلى حبّ المال أشد من ميله إلى علوّ النفس ، فإنّه يقدّم التمسّك بالشافعين على إعطاء الفدية ، ومن كان بالعكس يقدّم الفدية على الشفاعة فائدة تغيير الترتيب الإشارة إلى هذين الصنفين " « 1 » . وهنا يشير الرازي إلى اختلاف ترتيب الخطاب باختلاف المخاطب ، وهي مسألة غاية في الأهميّة على المستوى التداولي . ومن ناحية أخرى فقد أشار المفسّرون إلى علاقات خاصّة تحكم الترتيب من مثل الإجمال والتفصيل كما في تفسير الرازي للآية
" وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ
هامش
( 1 ) تفسير الرازي ، 2 / 54 .
الخطاب القرآني — صفحة 265 | خلود العموش