وأمّا خلق الأرض والسماء والماء ، فذلك إنّما ينتفع به بشرط حصول الخلق والحياة والقدرة والشهوة . فلا جرم قدّم ذكر الأصول على الفروع ، الثالث أنّ كلّ ما خلق في الأرض والسماء من دلائل الصانع فهو حاصل من الإنسان ، وقد حصل في الإنسان من الدلائل ما لم يحصل فيها لأنّ الإنسان حصّل فيه الحياة والقدرة والشهوة والعقل ، وكلّ ذلك ممّا لا يقدر عليه أحد سوى اللّه تعالى فلمّا كانت وجوه الدلائل له هاهنا أتمّ كان الأولى بالتقديم " « 1 » .
وقد أدرجنا هذا النصّ رغم طوله نظرا لأهميته بالنسبة لترتيب الخطاب ، وإذا تساءلنا عن المبادئ التي حكمت هذا الترتيب في رأي الرازي وجب أن ننظر في الأسباب التي ذكرها كلّ على حده ؛ ففي السبب الأول نجد علاقة القرب والعلم بالشيء ، وقد احترم الخطاب هذه العلاقة فقدّم خلق الإنسان نفسه ثم ثنّى بوالديه ومن جهة أخرى واعتبارا للعلاقة نفسها قدّمت الأرض على السماء في الخطاب ؛ على أنّ علاقة القرب والعلم لا تعني شيئا إن لم ينظر إليها في الغرض الذي يروم المتكلّم تحقيقه ، وهو إقناع المتلقّي بوحدانيّته وهذا ما تنبّه إليه الفخر الرازي حين صاغ تلك القاعدة ( إذا كان الغرض من الاستدلال إفادة العلم ، فكلّ ما كان أظهر دلالة كان أقوى إفادة ، وكان أولى بالذكر ) التي تحكّمت في ترتيب العناصر في الخطاب على ذلك النحو المخصوص ، إضافة إلى هذا نجد في السبب الأوّل علاقة أخرى سببيّة ( السبب - المسبّب ) :
الأرض - السماء - نزول الماء - خروج الثمرات [ تصوير ] المؤثر - الأثر فقد تأخّر هنا أمران : نزول الماء وخروج الثمرات وهما معا متوقّفان على وجود الأرض والسماء ، ومن ثمّ كانا أثرين ناتجين عن مؤثرين . ونخلص من هذا إلى أنّ الآيتين
هامش
( 1 ) تفسير الرازي ، 3 / 111 .