تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخطاب القرآني — صفحة 263

مساهمون:

ص٢٦٣
الثانية . نخلص من هذا إلى أن الزمخشري تنبه أوّلا إلى أنّ القصّة كما هي في الخطاب وقع فيها التقديم والتأخير ، وثانيا أن قلب الترتيب تحكّم فيه مقصد المتكلم وهو تثنية التقريع الذي ينتج عنه إشعار المتلقي بالذنب العظيم الذي ارتكبه المعنيّ بالقصّة . ومعنى هذا أنّ المقصديّة وهي مبدأ تداولي هي التي زحزحت الترتيب الأصلي بل قلبته ، وقد نشير إلى أن المخاطب بهذه الآيات يأتي في مستويين : المستوى الأول هو مستوى الخطاب والمخاطب المباشر فيه هم بنو إسرائيل . والمستوى الثاني هو المقام والمخاطب المباشر فيه هم المسلمون ، وإذا كان هدف الخطاب تقريع بني إسرائيل فإنّ هدفه بالنسبة للمخاطب المقامي هي التحذير من مغبّة إتيان ما أتاه هؤلاء من أفعال منكرة ، مجملها عصيانه تعالى ممّا استوجب غضبه عليهم وكشف صورة اليهود المعاصرين للرسول الكريم في المدينة المنورة . أما اهتمام الرازي فقد انصبّ على سبب الترتيب ، وهو هنا غير مرتبط بالأحداث وكيفيّة حدوثها ، ومراعاة ذلك في إنتاج الخطاب ، وإنّما هو مرتبط بترتيب العناصر في الخطاب ، ومحاولة البحث في سبب ذلك الترتيب ، وهذا ما سنعمل على إظهاره من خلال تفسيره للآيتين ( 21 - 22 ) قال الرازي : " إنّ اللّه تعالى ذكر هاهنا خمسة أنواع من الدلائل : اثنين من الأنفس ، وثلاثة من الآفاق فبدأ أوّلا بقوله ( خلقكم ) وثانيا بالآباء والأمّهات . . . وثالثا بكون الأرض فراشا ورابعا بكون السماء بناء ، وخامسا بالأمور الحاصلة من مجموع السماء والأرض . . . ولهذا الترتيب أسباب : الأوّل : أنّ أقرب الأشياء إلى الإنسان نفسه ، وعلم الإنسان بأحوال نفسه أظهر من علمه بأحوال غيره ، وإذا كان الغرض من الاستدلال إفادة العلم فكلّ ما كان أظهر دلالة كان أقوى إفادة ، وكان أولى بالذكر ، فلهذا قدّم ذكر الإنسان ، ثم ثنّاه بآبائه وأمّهاته ، وثلّث بالأرض لأنّ الأرض أقرب إلى الإنسان من السماء ، والإنسان أعرف بحال الأرض منه بأحوال السماء ، وإنّما قدّم السماء على نزول الماء من السماء ، وخروج الثمرات بسببه لأنّ ذلك كالأمر المتولّد من السماء والأرض . . . والأثر متأخّر عن المؤثّر ، فلهذا السبب أخّر اللّه ذكره عن ذكر الأرض والسماء ، الثاني : هو أنّ خلق المكلّفين أحياء قادرين أصل لجميع النعم ،