موسى مثل يوشع وإلياس . . . " « 1 » . فالخطاب عند ابن عاشور يدور حول موضوع الإنحاء باللائمة على بني إسرائيل إلّا أنّه يميّز في ذلك بين مرحلتين ، والطريقة الثانية التي يشير ابن عاشور بها إلى تغيير موضوع الخطاب تبرز في قوله : " قطعت هاته الجملة ( 6 ) عن التي قبلها لأنّ بينهما كمال الانقطاع ؛ إذ الجمل السالفة لذكر الهدى والمهتدين ، وهذه لذكر الضالين . . . " « 2 » . وربّما كان المثال الأخير أبلغ في التعبير عن تغيّر موضوع الخطاب من الأوّل ، لأنّ في الأوّل استمرارا لعنصر وارد في الخطاب السابق ، بينما الصلة منقطعة في الثاني بين محتوى الخطابين ( الهدى / الضلال ) .
على أنّ تفسير الزمخشري لم يخل من الإشارة إلى هذا المظهر الذي يمكن رصده في المستوى السطحي للخطاب ( تغيّر المحتوى يخلّف أثرا شكليّا ) " فإن قلت : لم قطعت قصّة الكفار عن قصّة المؤمنين ، ولم تعطف كنحو قوله ( إنّ الأبرار لفي نعيم ، وإنّ الفجّار لفي جحيم " وغيره من الآي الكثيرة ؟ قلت : ليس وزان هاتين القصتين وزان ما ذكرت لأنّ الأولى فيما نحن فيه مسوقة لذكر الكتاب ، وأنّه هدى للمتّقين ، وسيقت الثانية لأنّ الكفار من صفتهم كيت وكيت ، فبين الجملتين تباين في الغرض والأسلوب ، وهما على حدّ لا مجال فيه للعطف " « 3 » . إنّ السياق اللّغوي للنصّ يسير وفق منهجيّة معيّنة يراعى فيها تسلسل الموضوعات وفقا لغرض الخطاب ، وإنّ تباين الأسلوب والغرض في اي مرحلة من مراحل سيرورة الخطاب يفرض تغيير خطّ سير الخطاب - إن جاز التعبير - وفقا لما يراه الزمخشري . وتتبدّى نظرة الزمخشري العميقة إلى مسألة ترتيب الخطاب في شرحه لسرّ ترتيب الآيات الأولى من سورة البقرة ، فهو يرى أن
( ألم )
جملة برأسها ، و
( ذلِكَ الْكِتابُ )
جملة ثانية و
( لا رَيْبَ فِيهِ )
ثالثة ، و
( هُدىً لِلْمُتَّقِينَ )
رابعة ، ثم يقول : " وقد أصيب بترتيبها مفصل البلاغة ، وموجب حسن النظم " « 4 » .
هامش
( 1 ) التحرير والتنوير 1 / 592 .
( 2 ) نفسه ، 1 / 247 .
( 3 ) الكشاف ، 1 / 149 .
( 4 ) الكشاف ، 1 / 37 .