الأصل " « 1 » . ثمّ في الآية نفسها يشرح الرازي سرّ ترتيب الآية ( 82 ) ، ولما ذا قدّم اللّه اليتامى على المساكين ، يقول : " إنّما تأخّرت درجتهم ( المساكين ) عن اليتامى لأنّ المسكين قد يكون بحيث ينتفع به في الاستخدام ، فكأنّ الميل إلى مخالطته أكثر من الميل إلى مخالطة اليتامى ، ولأنّ المسكين أيضا يمكنه الاشتغال بتعهّد نفسه ومصالح معيشته ، واليتيم ليس كذلك فلا جرم قدّم اللّه ذكر اليتيم على المسكين " « 2 » .
وحين يصل إلى ذكر قصة سيّدنا إبراهيم
" وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ . . . "
حاول أن يربطها بما قبلها عن طريق ترتيب الموضوعات ، وتنظيمها تنظيما عضويّا موضوعيّا قال :
" اعلم أنّه سبحانه لما استقصى في شرح وجوه نعمه على بني إسرائيل ، ثمّ في شرح قبائحهم في أديانهم وأعمالهم ، وختم هذا الفصل بما بدأ به وهو قوله :
" يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ . . . "
إلى قوله "
وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ "
. شرع سبحانه وتعالى هاهنا في نوع آخر من البيان ، وهو أن ذكر قصّة إبراهيم عليه السلام وهو شخص يعترف بفضله جميع الطوائف والملل ، فالمشركون كانوا معترفين بفضله متشرّفين بأنّهم من أولاده ، ومن ساكني حرمه ، وخادمي بيته ، وأهل الكتاب من اليهود والنصارى كانوا أيضا مقرّين بفضله . . . فحكى اللّه سبحانه عن إبراهيم أمورا توجب على المشركين واليهود والنصارى قبول قول محمّد عليه الصلاة والسلام . . . " « 3 » .
أمّا ابن عاشور فإنّه يعبّر عن تغيير الموضوع تارة صراحة وتارة ضمنا ، فإنّه عبّر عنه صراحة حين استعمل قوله " الانتقال من . . . . إلى . . . " وإن عبّر عنه ضمنا أشار إلى دواعي الفصل عن النوع الأول ونورد هنا المثال التالي : " انتقال من الإنحاء على بني إسرائيل في أفعالهم مع الرسول موسى عليه السلام بما قابلوه به من العصيان ، والتبرّم والتعلّل في قبول الشريعة . . . إلى الإنحاء عليهم بسوء مقابلتهم للرسل الذين أتوا بعد
هامش
( 1 ) تفسير الرازي ، 3 / 165 .
( 2 ) نفسه ، 3 / 167 .
( 3 ) نفسه ، 4 / 33 .