وبين حكم إتيان البيوت ؟ ويكتسب السؤال أهميّته من أنّ الموضوعين تتضمّنهما آية واحدة ، ولا بدّ من ثمّ أن يكون وجه " الترابط " قويّا ، ويحصر علماء القرآن وجه الارتباط بين جزءي الآية في أحد احتمالين :
الأوّل : أن يكون ذكر إتيان البيوت من ظهورها نوعا من ( التمثيل ) الرمزي لسؤالهم عن ( الأهلّة ) وفي هذا الاحتمال يفهم السؤال استنادا إلى سبب النزول على أنّه لم يكن سؤالا استفهاميا ، بل كان سؤالا على سبيل التهكّم والسخرية ، فقد تساءلوا " ما بال الهلال يبدأ صغيرا ثم يكتمل بدرا ، ثم يعود هلالا صغيرا ؟ وما الحكمة في ذلك ؟ " « 1 » .
واستنادا إلى هذا السبب يكون النصّ في إجابته عن هذا السؤال قد تجاهله ، وأجاب عن سؤال آخر كان هو الذي يجب أن يسألوه وذلك ما عرف بعد ذلك ب ( أسلوب الحكيم ) ثم سخر النصّ منهم ببيان أنّهم في سؤالهم المعكوس هذا شأن من يأتي البيوت من ظهورها ، وبناء على هذا الفهم تكون العلاقة بين جزأي الآية هي علاقة الممثول بالمثل ، ويكون الجزء الثاني من الآية من قبيل التمثيل لما هم عليه من عكسهم للسؤال ، " وأنّ مثلهم كمثل من يترك بابا ويدخل من ظهر البيت ، فقيل لهم ليس البرّ ما أنتم عليه من تعكيس الأسئلة ، ولكنّ البرّ من اتّقى ذلك " ، ثم قال سبحانه :
" وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها
" ؛ أي باشروا الأمور من وجوهها التي يجب أن تباشر عليها ، ولا تعكسوا " « 2 » . إنّ النصّ في مثل هذا الفهم يحوّل الحدث الخارجي - سبب النزول - إلى صورة رمزيّة تمثيليّة ، فهو لا يعكس الحدث عكسا آليّا ، ولا يعبّر عنه بطريقة ميكانيكيّة ، إنّه يعكسه ويتجاوزه في الوقت نفسه بتحويله إلى صورة مجازية . ولكن علينا أن نلاحظ أنّ هذا فهم يعتمد على ضرب من التأويل ، وإن كان معتمدا على سبب النزول ، ويعتمد التأويل هنا على ( التقابل ) بين المعنى الناتج عن معرفة سبب النزول ، وبين الصورة المجازيّة المنتزعة من إتيان البيوت من ظهورها .
هامش
( 1 ) السيوطي ، الإتقان 1 / 243 .
( 2 ) الزركشي ، البرهان ، 1 / 41 .