ومن أمثلته ما ذكرناه حول سبب نزول الآية
" أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ . . "
ومنه كذلك ما ورد في سبب نزول الآية ( 79 ) من سورة البقرة
" فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا ، فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ ، وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ "
فإنّ هذه الآية نزلت في الذين غيّروا صفة النبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم - وبدّلوا نعته ، قال الكلبي : " إنّهم غيّروا صفة رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - في كتابهم ، وجعلوه آدم سبطا طويلا ، وكان ربعة أسمر ، وقالوا لأصحابهم وأتباعهم :
انظروا إلى صفة النبيّ الذي يبعث في آخر الزمان ، ليس يشبه نعت هذا ، وكانت للأحبار والعلماء ، مأكلة من سائر اليهود فخافوا أن يذهبوا مأكلتهم إن بيّنوا الصفة ، فمن ثمّ غيّروا " « 1 » .
ومن ذلك أيضا ما ورد في سبب الآية
" الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ "
« 2 » . فهذه الآية نزلت في مؤمني أهل الكتاب ( عبد اللّه بن سلّام وأصحابه ) كانوا يعرفون رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - بنعته وصفته وبعثه في كتابهم كما يعرف أحدهم ولده إذا رآه مع الغلمان ، قال عبد اللّه بن سلّام : لأنا أشدّ معرفة برسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - منّي بابني ، فقال له عمر بن الخطّاب : وكيف ذاك يا ابن سلّام ، قال : لأنّي أشهد أنّ محمدا رسول اللّه حقا يقينا ، فأنا لا أشهد بذلك على ابني ، لأنّي لا أدري ما أحدث النساء ، فقال عمر : وفقك اللّه يا ابن سلّام " « 3 » . هذان مثلان على أسباب النزول التي تكشف طبائع المخاطبين ، فالمثل الأوّل يكشف طبيعة الذين غيّروا صفة النبيّ عن قصد ، وهم يعلمون " ليشتروا به ثمنا قليلا - وتوعّدتهم الآية بسبب ذلك أشدّ الوعيد . وفي المثل الثاني مؤمنون من أهل الكتاب يتفانون في يقينهم ، وجاء النصّ
هامش
( 1 ) الواحدي : أسباب النزول ، ص 14 .
( 2 ) سورة البقرة ، الآية ( 121 ) .
( 3 ) الواحدي : أسباب النزول ، ص 24 .