( 2 - 3 ) أسباب النزول تكشف عن أثر النصّ على المخاطبين
تكشف بعض نصوص ( أسباب النزول ) عن أثر الخطاب القرآني على المخاطبين وتفاعلهم معه وهو جزء ممّا تدرسه اللسانيات الاجتماعية في مشمولاتها . ومن ذلك ما نزل في سبب الآية ( 62 ) من سورة البقرة ، وهي
" إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ "
فعن السدّي قال : " نزلت في أصحاب سلمان الفارسي لمّا قدم سلمان على رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وسلّم ) جعل يخبر عن عبادة أصحابه واجتهادهم وقال : يا رسول اللّه كانوا يصلّون ويصومون ويؤمنون بك ، ويشهدون أنّك تبعث نبيّا ، فلما فرغ سلمان من ثنائه عليهم ، قال الرسول الكريم : يا سلمان هم من أهل النار ، قال سلمان : فأظلمت عليّ الأرض ، فنزلت " إنّ الذين آمنوا والذين هادوا . . . إلى قوله ( يحزنون ) قال : فكأنّما كشف عني جبل " « 1 » . إنّ هذه الرواية تكشف عن المخاطب في حالين قبل تنزّل النصّ ( فأظلمت علي الأرض ) وبعد نزول النصّ ( فكأنّما كشف عني جبل ) وهو نموذج من نماذج تفاعل المخاطبين بالنصّ ومع النصّ ، وهو كذلك يكشف عن تفسير مغاير لما يبدو عليه ظاهر الآية .
ومن هذا كذلك مجموعة النّصوص التي وردت حول آيات تحويل القبلة في السورة الكريمة ، وأثر الحادث كلّه على رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وسلّم ) وتفاعل المؤمنين بهذا التحويل ، وتفاعل اليهود مع هذه الحادثة وسخريتهم من هذا التحويل وفرح المؤمنين به ، ثم تخوّف المؤمنين من مصير إخوانهم الذين ماتوا قبل تحويل القبلة وتنزّل الآيات لتشرح كلّ ذلك . فتصف الآيات حالة رسول اللّه إبّان نزول هذه الآيات ففي الآية
" قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها . . "
« 2 » . قال البراء : " لمّا نزلت هذه
هامش
( 1 ) الواحدي ، أسباب النزول ، ص 13 .
( 2 ) سورة البقرة ، الآية ( 144 ) .