كيف عالج النصّ التاريخي الواقع ( سبب النزول ) وكيف عالج النصّ القرآني بدوره ذلك الواقع . إنّ النصّ القرآني لا ينقل المشهد الواقعي كما هو أبدا فيما يشبه أن يكون نقلا دقيقا لذلك الواقع كالصورة الفوتوغرافية ، إنّ الصورة التي يرسمها النصّ القرآني متفاعلة مع الواقع ولكنّها تصوّره بصيغة العموم ( مشهد من عل ) بحيث يصلح أن يقرأ في كلّ واقع مشابه قراءة جديدة ، وسنجد أنّ الواقعة التاريخية المحدّدة ماثلة في النصّ من غير أسماء شخوصها أو تفاصيلها الدقيقة . وهذا يتم عبر اللغة ، وعبر أدوات التعميم والتخصيص فيها .
( 2 - 2 ) التفاعل مع جزء من النصّ يستدعي جزءا آخر منه
وهو كثير ؛ فنجد نزول آية من الآيات ، قد يسأل المؤمنون عنها ، ممّا يستدعي نزول آية أخرى ، وقد يعقّب أحد اليهود أو الكفار ، أو أحد أعداء الرسالة بما يمكن أن يشكّك بالآية مما يستدعي توضيحا أو استثناء أو تعقيبا مناسبا . ومن أمثلة ذلك ما روي حول الآية ( 26 ) من سورة البقرة :
" إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها ، فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ، وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا ، يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً ، وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً ، وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ "
. قال ابن عبّاس : " نزلت في المنافقين ، ذلك أنّه لمّا ضرب اللّه سبحانه وتعالى هذين المثلين للمنافقين قوله
( مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً )
وقوله
( أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ )
قالوا : اللّه أجلّ وأعلى من أن يضرب الأمثال ، فأنزل اللّه هذه الآية "
إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي . . .
" « 1 » .
وعن عطاء عن ابن عبّاس في قوله تعالى "
إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ . . .
" قال :
" وذلك إنّ اللّه ذكر آلهة المشركين فقال :
" وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً "
وذكر كيد الآلهة فجعله كبيت العنكبوت فقالوا : أرأيتم حيث ذكر اللّه الذباب والعنكبوت فيما أنزل القرآن على محمّد ، أيّ شيء يصنع بهذا ؟ فأنزل اللّه هذه الآية " « 2 » .
هامش
( 1 ) الواحدي ، أسباب النزول ، ص 12 .
( 2 ) نفسه ، ص 13 .