وقابلة للتجدّد مع تغيّر آفاق القراءة المرتهن بتطوّر الواقع اللّغوي والثقافي « 1 » . ويدافع أبو زيد عن منهجه من حيث توهّم حدوث تعارض وتضاد بين الإلهي والإنساني في النصّ الديني إذا أخضع لهذا المنهج ، فيقول بأنّ النصوص الدينيّة نصوص بشريّة بحكم انتمائها للّغة والثقافة في فترة تاريخيّة محدّدة هي فترة تشكّلها وإنتاجها ؛ فهي بالضرورة نصوص تاريخيّة ، ومن هذه الزاوية تمثّل اللّغة ومحيطها الثقافي مرجع التفسير والتأويل ، وتدخل في مرجعيّة التفسير والتأويل تلك كلّ علوم القرآن ، وهي علوم نقليّة تتضمّن كثيرا من الحقائق المرتبطة بالنصوص بعد إخضاعها لأدوات الفحص والتوثيق « 2 » .
وفي كتابه ( مفهوم النّص ) يطبّق أبو زيد هذا المنهج ، فيتناول علوم القرآن بالتحليل والفحص والتوثيق ليدلّل بها على صحّة منهجيّته في التعامل مع النّص القرآني .
ويعيد التأكيد فيه على أنّ النّص منتج ثقافي والمقصود بذلك أنّه تشكّل في الواقع والثقافة خلال فترة تزيد على العشرين عاما . كما أنّ القرآن يصف نفسه بأنّه رسالة ، والرسالة تمثّل علاقة اتّصال بين مرسل ومستقبل من خلال شيفرة أو نظام لغوي . وهو في الوقت نفسه منتج للثقافة ، حيث كوّن حضارة لها شخصيّتها وهويّتها الواضحة في تاريخ الحياة . إنّ اللّغة هي مدخل الدراسة لهذا النصّ ، وهذه اللّغة تعيد تقديم العالم بشكل رمزي ، إنّها وسيط من خلاله يتحوّل العالم الماديّ والأفكار الذهنيّة إلى رموز ، والنصوص اللغويّة ليست إلّا طرائق لتمثيل الواقع والكشف عنه بفعاليّة خاصّة . وهي كذلك رسالة لها وظيفتها الاتّصالية التي تقوم على مرسل ومخاطب . ومن ثمّ يعرض أبو زيد في الباب الأول من كتابه وهو تحت عنوان ( النصّ في الثقافة / التشكّل والتشكيل ) مفهوم الوحي ، والمتلقّي الأوّل للنصّ ، والمكّي ، والمدني ، وأسباب النزول ، والناسخ والمنسوخ . وأمّا في الباب الثاني وهو بعنوان : ( آليات النصّ ) فيعرض علاقة النصّ بالنصوص الأخرى في الثقافة من جهة ، وآلياته في إنتاج الدلالة من جهة أخرى ، ويندرج تحت هذا الباب مسائل : الإعجاز ،
هامش
( 1 ) نصر حامد أبو زيد ، الخطاب الديني : رؤية نقدية ، ص : ( 136 - 137 ) .
( 2 ) نفسه ، ص : ( 143 - 144 ) .