تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخطاب القرآني — صفحة 135

مساهمون:

ص١٣٥
بسياقه الدنيويّ يتعلّق به ، ولأنّ القرآن الكريم هو نصّ ، يضمّ الحديث ( الخطاب المباشر ) والكتابة والقراءة والإخبار ، فإنّ تفسير الظاهريّة بحدّ ذاته لا يأخذ الفصل بين التكلّم والكتابة أو النّص وظرفيّته مسلما به ، ولكنّه يعترف بتداخلهما وتفاعلهما معا . إنّ الظاهريّة بهذا تمثّل فرضيّة مفصّلة عن كيفيّة التعامل مع النّص كصيغة هامّة تجتمع فيها الدنيويّة والظرفيّة ، وحالة النصّ كحدث له خصوصيّة حسيّة ، واحتمال تاريخي مندمجة معا ، ويكون النصّ في هذه الحالة ناقلا للمعنى ومنتجا له ، وهذا يعنى أنّ النصّ له حالة محدّدة تفرض قيودا على المفسّر . ثمّ يناقش ( سعيد ) بعد هذا بعض الطرق التي تفرض بها النصوص قيودا على تفسيرها ، أو بصورة أخرى الطرق التي تقارب بين جسم النصّ وجسم العالم ، ممّا يفرض على القرّاء أخذ كليهما بعين الاعتبار . ويستمدّ سعيد هذه الطرق أو الآليّات من خلال أعمال ثلاثة أعلام من الأدب الغربي وهم ( جرارد مانلي هوبكنز ) ، و ( أوسكار وايلد ) ، و ( وجوزيف كونراد ) ، ويستنبط من خلالها أنّ النصوص تعكس ظروفها الواضحة ، وأنّ الكاتب يستجيب لما يصف في الطبيعة ، وإنّ القارئ عنصر مشارك فاعل في إنتاج المعنى ؛ فالقراءة إخبار ، والطبيعة إخبار ، وإنّ النّص يمتلك الكثير من الحقيقة الظرفيّة ، إنّ النصّ يحتضن العالم . كما أنّ طريقة تقديم القصّة كما هو الحال عند ( كونراد ) تجسّد وتخلق ظروف السرد ومناسبته ، إنّ اللقاء ليس بين الإنسان وقدره مجسّدا في لحظة ، ولكنّه دوما اللقاء بين المتحدث والسامع . إنّ التراث الروائي الغربي مليء بالأمثلة على نصوص تتشبّث ليس فقط بواقعها الظرفي ، وإنّما أيضا بكونها تحقّق دورا أو مرجعيّة أو معنى في العالم . إنّ ( الحديث ) أو الخطاب هو المجس الذي بواسطته تربط النصوص الصامتة نفسها بعالم الخطاب ، وهو ما يعنى أنّ الظرفية تكثّف التبادل مع المتحدّث بمواجهة السامع بطرقها الخاصّة . إنّ النّص ، وإنّ كان يبدو وكأنّه يفتح نفسه ديموقراطيّا لأيّ شخص يمكن أن يقرأه ، فإنّه يمتلك آليّات خاصّة يحاول من خلالها إخضاع القارئ له ، ليصرفه بعيدا عن العالم .