تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخطاب القرآني — صفحة 117

مساهمون:

ص١١٧
الرحمن ) « 1 » . وأمّا قرائن الأحوال ( السياق الحالي ) فهذه عند الغزالي ؛ كثيرة فمنها الإشارات ، والرموز ، والحركات ، والسوابق ، واللواحق ، وهي " لا تدخل تحت الحصر والتخمين ، يختصّ بدركها المشاهد لها ، فينقلها المشاهدون من الصحابة إلى التابعين بألفاظ صريحة ، أو مع قرائن من ذلك الجنس ، أو من جنس آخر حتى توجب علما ضروريّا لفهم المراد أو توجب ظنا ، وكل ما ليس له عبارة موصوفة في اللّغة فتتعيّن فيه القرائن " « 2 » . ( فالخمسة ) مثلا نصّ في معناه ( بمصطلح الأصوليّين ) لا يحتمل الستّة ولا الأربعة ، أمّا غير النصّ ، فالقرائن فيه لها الدور الأساس ، ويتجاوز معناه دلالة الألفاظ المعجميّة ، فما دام المتكلّم يملك من الحريّة ما يكفل له الانتقال باللفظ الخاصّ من الخصوص إلى العموم ، وباللّفظ العامّ من العموم إلى الخصوص ، وما دامت دلالة الألفاظ ليست كلّها قطعيّة ، فإنّ الدلالة المعجميّة للألفاظ تبقى قاصرة عن تحديد المعنى المراد . ويمثّل الغزالي عمليّا كيفية الاستفادة من السياق بنوعيه : اللّغوي والمقامي ، في تحديد المعنى المراد من خلال الآية ( 9 ) من سورة الجمعة
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ )
يقول : " إنّما نزلت وسيقت لمقصد وهو بيان الجمعة ، وما نزلت الآية لبيان أحكام البياعات ، ما يحلّ منها وما يحرم ، فالتعرّض للبيع - لأمر يرجع إلى البيع في سياق هذا الكلام - يخبط الكلام ويخرجه عن مقصوده ، ويصرفه إلى ما ليس مقصودا به ، وإنّما يحسن التعرّض للبيع إذا كان متعلّقا بالمقصود ، وليس يتعلّق به الأمر إلّا من حيث كونه مانعا للسعي الواجب ، وغالب الأمر في العادات جريان التكاسل والتساهل في السعي بسبب البيع ، فإنّ وقت الجمعة يوافي الخلق ، وهم منغمسون في المعاملات فكان ذلك أمرا مقطوعا به لا يتمارى فيه ، فعقل أنّ النهي عنه لكونه مانعا من السعي الواجب فلم يقتض ذلك فسادا ، ويتعدّى التحريم إلى
هامش
( 1 ) صحيح مسلم ، ( باب القدر ) ، رقم الحديث ( 356 ) . ( 2 ) المستصفى ، 1 / 149 .