بتقليبها في صور مختلفة ، إن على مستوى الخطاب القرآني جميعه أو على مستوى آيات متتابعة تحتلّ فضاء واحدا ، وإنّ اختلاف هيئات المخاطبين والأوقات والأمكنة كانت سببا في هذا التنويع . والثاني : النقص ( تخصيص العموم وتقييد المطلق ) وفي هذه الحالة تأتي آية أو آيات مزيلة لبعض الأوصاف ، وهذا النوع غالبا ما يصيب الآيات المدنية وحدها . وبهذه الأدوات جميعا نستبعد من الخطاب القرآني علاقة التناقض عبر الناسخ والمنسوخ ( بمعنى الإزالة والإبطال ) ؛ إذ هو مجرد دعوى قائمة على أوهام لغويّة وأيديولوجيّة أغرت كثيرا ممّن ألّف في الموضوع من القدماء والمعاصرين معتبرين فيه تدرّجا للتشريع ومراعاة للظروف الاجتماعية والاقتصادية ، فالأسلم لهؤلاء أن يقولوا بالبيان والتفصيل والتكميل والتخصيص .
وإنّ النتائج النظريّة والمنهاجيّة والعمليّة التي نتوصّل إليها بهذا الموقف ، تجعلنا نحصل على نظريّة منسجمة واحدة وشاملة لعموم أنواع الخطاب القرآني الهادفة جميعها إلى تبليغ الرسالة مع مراعاة أحوال المخاطبين الذين هم أنواع عديدة : منهم الخلّ الحميم للمبلّغ ، ومنهم العارف المتنوّر ، ومنهم الأعرابي والبادي ، مع اعتبار مقتضيات الأحوال .
وهذا لا يناقض القول بالتدرّج مع اختلاف المنطلقات ، وذلك على النحو التالي :
أ - إنّ المخاطبين بالقرآن لم يكونوا على مستوى واحد من الفهم والإدراك ، ولم يكونوا على درجة واحدة . في اتّصالهم بصاحب الرسالة . وعلى هذا فلا يعقل أن يتساوى إدراك أقرب الصحابة إلى الرسول مع الأعراب الوافدين عليه من مناطق نائية ؛ فالمقرّبون يفهمون مضمون الرسالة ومغزاها بالإيحاء والتلميح دون ذكر التفاصيل وضرب الأمثلة ؛ إذ أطرهم المعرفيّة مشتركة ، ومن ثمّ كانت تغني الإشارة عن العبارة . وأمّا من كانوا أبعد ثقافيّا وحضاريّا فإنّهم كانوا محتاجين إلى الإطناب .
الخطاب القرآني — صفحة 104
مساهمون: خلود العموش
ص١٠٤