قال : وولي دستبى [ 1 ] فخرج إليها في أصحابه ، فلما شارفها عرضت له الخوارج ، وكان أكثر منهم عددا وعدّة ، فقال : واللّه لأصافّنّهم ، ولأعبّينّ أصحابي فلعلهم إذا رأوا كثرتهم انصرفوا ، ولا أزال بذلك قويّا في عملي هذا . فلما رأت الخوارج كثرة القوم نزلوا عن خيولهم فعرقبوها [ 2 ] وقطّعوا أجفان سيوفهم ، ونبذوا كل دقيق كان معهم ، وصبّوا أسقيتهم . فلما رأى ذلك رأى الموت الأحمر . فأقبل عليهم فقال : عرقبتم دوابّكم وقطّعتم أجفان سيوفكم ، ونبذتم دقيقكم ؟ خار اللّه لنا ولكم ! ثم ضرب وجوه أصحابه وانصرف عنهم .
1342 - [ ضيق صدر النظّام بحمل السرّ ]
وكان أبو إسحاق إبراهيم بن سيّار النظّام . أضيق الناس صدرا بحمل سرّ وكان شرّ ما يكون إذا يؤكّد عليه صاحب السر وكان إذا لم يؤكّد عليه ربما نسي القصّة ، فيسلم صاحب السرّ .
وقال له مرة قاسم التمّار : سبحان اللّه ما في الأرض أعجب منك ، أودعتك سرّا فلم تصبر عن نشره يوما واحدا ، واللّه لأشكونّك للناس ! فقال : يا هؤلاء ، سلوه نممت عليه مرة واحدة ، أو مرتين ، أو ثلاثا ، أو أربعا ، فلمن الذنب الآن ؟
فلم يرض بأن يشاركه في الذّنب ، حتى صيّر الذّنب كله لصاحب السرّ .
1343 - [ شعر في حفظ السرّ ]
وقال بعض الشعراء [ 3 ] : [ من المتقارب ]
ختمت الفؤاد على سرّها * كذاك الصحيفة بالخاتم
هوى بي إلى حبّها نظرة * هويّ الفراشة للجاحم [ 4 ]
وقال البعيث [ 5 ] : [ من الطويل ]
فإن تك ليلى حمّلتني لبانة * فلا وأبي ليلى إذا لا أخونها [ 6 ]
هامش
[ 1 ] دستبى : كورة كبيرة كانت مقسومة بين الري وهمذان . معجم البلدان 2 / 454 .
[ 2 ] عرقبوها : حزوا عراقيبها بالسيوف . وعرقوب الدابة في رجلها ؛ بمنزلة الركبة في يدها .
[ 3 ] البيتان بلا نسبة في ثمار القلوب 399 ( 730 ) ، وتقدما في 3 / 188 ، 189 .
[ 4 ] الجاحم : النار العظيمة في مهواة .
[ 5 ] البيت الأول لمجنون ليلى في ديوانه 268 ، وبلا نسبة في أمالي القالي 1 / 71 .
[ 6 ] اللبانة : الحاجة .