كانوا إذا تتابعت عليهم الأزمات وركد عليهم البلاء ، واشتدّ الجدب ، واحتاجوا إلى الاستمطار ، استجمعوا وجمعوا ما قدروا عليه من البقر ، ثمّ عقدوا في أذنابها وبين عراقيبها ، السّلع والعشر [ 1 ] ، ثمّ صعدوا بها في جبل وعر ، وأشعلوا فيها النّيران ، وضجّوا بالدّعاء والتضرّع . فكانوا يرون أنّ ذلك من أسباب الشّقيا . ولذلك قال أميّة [ 2 ] : [ من الخفيف ]
سنة أزمة تخيّل بالنّا * س ترى للعضاه فيها صريرا [ 3 ]
إذ يسفّون بالدّقيق وكانوا * قبل لا يأكلون شيئا فطيرا [ 4 ]
ويسوقون باقرا يطرد السّه * ل مهازيل خشية أن يبورا [ 5 ]
عاقدين النّيران في شكر الأذ * ناب عمدا كيما تهيج البحورا [ 6 ]
فاشتوت كلها فهاج عليهم * ثمّ هاجت إلى صبير صبيرا [ 7 ]
فرآها الإله ترشم بالقط * ر وأمسى جنابهم ممطورا [ 8 ]
فسقاها نشاصه واكف الغى * ث منهّ إذ رادعوه الكبيرا [ 9 ]
سلع ما ومثله عشر ما * عائل ما وعالت البنقورا [ 10 ]
هامش
[ 1 ] السلع والعشر : ضربان من الشجر .
[ 2 ] ديوان أمية بن أبي الصلت 396 - 399 ، وعيار الشعر 60 ، 2 / 395 ، والحماسة البصرية 2 / 395 .
[ 3 ] في ديوانه : « سنة جدبة : شديدة القحط ، وهي من الأزم ، وهو العض بالفم أو بالأنياب . تخيل بالناس : تشتبه عليهم فيتوهمون الخير ولا خير فيها . العضاه : كل شجر له شوك » .
[ 4 ] في ديوانه : « سففت الدقيق : أخذته غير معجون . الفطير : العجين الذي لم يختمر .
[ 5 ] في ديوانه : « الباقر : جماعة البقر . يبور : يهلك » .
[ 6 ] في ديوانه : « الشكر : مفردها شكير ، وهو من الشعر » . والريش والنبت ما نبت صغاره بين كباره .
تهيج البحور : أراد تبعث المطر الغزير الذي يشبه البحور بغزارته » .
[ 7 ] في ديوانه : « وهاجت السماء : غيمت وكثرت ريحها ، وهاجت الإبل : عطشت . والصبير : السحاب يثبت يوما وليلة لا يبرح ، كأنه يصبر ، أي يحبس » .
[ 8 ] في ديوانه : « الرشم : الأثر والعلامة » .
[ 9 ] في ديوانه : « النشاص : السحاب المرتفع . والواكف : الهاطل . منهّ : فاعل من نهّى الشيء وانتهى وتناهى ، إذا بلغ نهايته . وردعه عن الأمر : كفّه ، ورادعوه : للمشاركة ؛ فهم كفّوا عما بهم من إثم ، وهو كفّ عن الانحباس والتشديد عليهم . والكبيرا صفة قامت مقام الموصوف بعد حذفه ، والتقدير : رادعوه الشر الكبيرا . منهّ : حال « نشاصه » ، أي سقاها نشاصه بالغا نهايته ، وكان حقها أن تكون « منهّيا » ولكنه حذف الياء ضرورة كحذفها في الرفع والجر .
[ 10 ] في ديوانه : « السلع والعشر : ضربان من الشجر . وعال الشيء فلانا : ثقل عليه ، يريد أن السنة أثقلت البقر بما حملتها من السلع والعشر » .