تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحيوان — صفحة 474

مساهمون:

ص٤٧٤
السّمك والماء حتّى تموت قسوة ! وكيف صار ذبح الشّاة قسوة وصيد السمك بالسّنانير المذرّبة المعقّفة [ 1 ] ليس لها شعائر تخالف العقاف المنصوص في جهاتها . وكيف وهي وإن لم تنشب في أجوافها ، وتقبض على مجامع أرواحها ، لم تقدر على أخذها ؟ ! . وكيف صار وجء اللّبّة [ 2 ] من الجزور أقسى من ضرب النبائل ؟ ! أم كيف صار طعن العير بالرّمح ، ونصب الحبائل للظّباء ، وإرسال الكلاب عليها أشدّ من وقع النّبائل في ظهر السّمك ؟ ! ولأنّكم تكثرون قولكم : لا نأكل شيئا فيه دم أيّام صومنا ، فللسّمك دم ، ولا بدّ لجميع الحيوان من دم أو شيء يشاكل الدّم ، فما وجه اعتلالكم بالدّم ؟ ! ألأنّ كلّ شيء فيه دم فهو أشدّ ألما ؟ فكيف نعلم ذلك ؟ وما الدّليل عليه ؟ فإن زعمتم أنّ ذلك داخل في باب التعبّد والمصلحة ، لا في باب القياس والرّحمة والقسوة ، فهذا باب آخر . إلّا أن تدّعوا أنّ ذوات الدّماء أقوى للأبدان ، وآشر [ 3 ] للنّفوس ، فأردتم بذلك قلّة الأشر وضعف البدن . فإن كان ذلك كذلك فقد ينبغي أن يكون هذا المعنى مستبينا في آكلي السّمك من البحريين . وأمّا ما ذكرتم من ملازمة الحرفة لهؤلاء الأصناف ، فإنّ كلّ من نزلت صناعته ، ودقّ خطر تجارته ، كذلك سبيله . وأحلّ الكسب كلّه وأطيبه عند جميع النّاس سقي الماء ، إمّا على الظّهر ، وإمّا على دابّة . ولم أر سقّاء قطّ بلغ حال اليسار والثّروة وكذلك ضرّاب اللّبن ، والطّيّان ، والحرّاث . وكذلك ما صغر من التّجارات والصّناعات . ألا ترون أنّ الأموال كثيرا ما تكون عند الكتّاب ، وعند أصحاب الجوهر ، وعند أصحاب الوشي والأنماط [ 4 ] ، وعند الصّيارفة والحنّاطين [ 5 ] ، وعند البحريّين
هامش
[ 1 ] المذربة : المحددة : المعقفة : الملوية . [ 2 ] الوجء : الطعن . اللبة : موضع النحر . [ 3 ] الأشر : المرح والنشاط . [ 4 ] الأنماط : ضرب من البسط . [ 5 ] الحناطين : بائعو الحنطة ، أي البر .
الحيوان — صفحة 474 | الجاحظ