تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير والتاويل في القرآن — صفحة 56

مساهمون:

ص٥٦
إلى أحداث عملية فعلية ستحدث له ولقومه في المستقبل ، فما هي هذه الأحداث ؟ ، ومن سيقدر على بيان انطباق المناظر المنامية التي رآها الملك على الواقع ؟ ومن سيقدر على ردّ هذه المناظر إلى صورتها المادية الفعلية النهائية ؟ . وهذا هو معنى التأويل ، الذي يتحقق في ردّ الأمور النظرية إلى نهاياتها الواقعية ، وتحديد مآلها ومصيرها الفعلي . عجز رجال الملك وكهنته وسحرته عن تأويل رؤياه . وقالوا له : أضغاث أحلام . وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين . والأضغاث : جمع « ضغث » . وهي الأمور المختلطة المتشابكة المتداخلة . ومعنى قولهم للملك : أضغاث أحلام : أنّ ما رأيته من تلك المناظر المنامية ، إنما هي صور مختلطة ، ولقطات متداخلة ، وهي متشابكة في خيوطها وخطوطها وألوانها ، بحيث يستحيل تحليلها وفصلها و « فرزها » وتفريغها ، وتحديد كلّ صورة منها وتمييزها عن أخواتها . ونظرا لما بين هذه الأحلام من تشابك واختلاط ، فنحن لا نقدر على فصلها ، ولا علم لنا بتأويلها . ومعنى قولهم :
وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ
: أننا عاجزون عن بيان حقيقة هذه الأحلام ، وعن تحديد مدلولها العملي ، وعن ردّ مدلولها النظري إلى نهايته العملية ، ومآله الواقعي . إننا عالمون بتعبير الأحلام ، ونقدر على تحديد بعدها الفعلي ، عندما تكون أحلاما بسيطة ، صورها ومناظرها منفصلة . أما عندما تكون أضغاث أحلام متداخلة مختلطة متشابكة ، فعلمنا عاجز عن تفريقها وفرزها وتفكيكها ! !